الخميس، 17 أكتوبر 2019

نرفع الشّعر كَنَخْب أخير

الشّعر لن يُغيّر وجه الحياة، لكنه يجعلها أقل قبحًا، الشّعر ليس كلمات وكفى، بل هو موسيقى نحملها معنا أينما ذهبنا، نستمع إليها كلما شعرنا بالعزلة أوالوحدة، الشّعر هو كل شيء جميل يسكننا، الشّعر هو صراع حادّ ومُتطرّف أحيانا، بين شعور لا محدود ولغة مُكفّنة بالحدود، لغة تتحوّل في عين الشّاعر وحده إلى قاموس مطلق، لا يؤمن بالكبت، الشّعر هو خصوصيتنا، هو الجانب الحميم من يومياتنا، وفي اليوم العالمي للشّعر، لن نجد أفضل من القصيد لنجعل من العادي بهجة صغيرة..

 

 

نصيرة محمدي

متأخرا يجئ الحب

 يجئ الحب متأخرا، ينهض من سريره متأخرا يضئ كل اليأس بأنامله ويمنح ليلي نجومه،

متأخرا عن عناقي يبكي

ويمكث في نهري في نشيده ما تخضر به الروح وتهدم به هذا المستحيل كلما دنوت تروح تشهق من وحشتي وتنأى إلى من أنظر وكلهم أنت؟

في كل نظرة قبس منك

في كل دمعة نفس منك

في كل نفس جرح من غيابك أيها العالق في أساي

أنصت لرعشة الروح، ورجفة العدم وانظر إلي

هل كثير علي أن تراني؟ ففي قلبي قد انحنى قمر حزين

وفي قلبي غربة ترج الهاوية،

ألاحق صوتك؛ هل ضحك في المسارب؟ هل غنى في الضباب؟ هل تشتت بدوني؟ أداهم غيبتنا التي تكسرت في حضن حبيبي، وأسقطت كأسراب الحمام عمرا ما بيننا.

لا شيء سيجبرني على الهجر والنسيان إلا الموت.

لا أحد سيحتل أمكنتك ومساحاتك سوى المقبرة.

سأربض فوق النضارة، وأعتلي كيانات الوحشة والصمت لأراك من خلفها تحدق في أسراري، وفي لغتي النافذة فيك.

سأصطحب معي إلى الأبدية نجومي، وأدنو من مسارب اللغة مفعمة بوهج الأدغال والمضائق كمعجزة تباغت قدري.

سأهب عزلتي تأرجح الروح في تلمسها جزع المصير. كالهائم دون وجهة أحمل نشيج القلب وحكمة الأشياء، وأرعى زهدي فيما تلاحقني وردة الفقد ودمعة الكون.

 

محشوّا بـأرجـل كُتبٍ بيضاء

محمد بن جلول

أفتتُ حَجـر وسادتي. أنحتُ رأسـاً مُستيقظاً

يحكُّ فروةَ رأسـي !

رأساً طريّـاً على كتفي محشوّا بـأرجـل كُتبٍ

بيضاء!

تذوبُ كرقصةِ تـانغو

على الطّاولة !

لا تفكّـر

كي تنـام، ونم كي

تفكّـر !!

أدعكُ ظـهر كوابـيس مزعجةٍ !

كـوابيس بنهاياتٍ مُرعبةٍ أفقـدكِ لوهلةٍ

فيها !

أفتتُ حَجـر وسادتي.

أجعـلهُ طحيناً دقيـقاً وأعجنهُ لفئرانِ وحـدتي !

فئران مسالمةٌ لا تقرض هواء الغرفةِ، تقلّم أظافرها وتغسلُ أسنانها

قبل النّومِ. أحفرُ معها مسالكها !

فئرانٌ تتمدّد بداخلي وفي عُـروقي ودمي

لتخرج !

“تنـامين عاريةً كقطّعة جـبنةٍ

حمراء

فوق

فخـاخِ

مسائي”!

من ديوان «اللّيل كلّه على طاولتي»، يصدر قريبا.

 

مريم حيدري

بشرى

اليَوْمَ

أَفتحُ رَاحَتِي

فَيَمْتَصُّ الصيفُ نَبَاتَاِت شَهْوَةٍ نَابِضَة

يَوْمٌ نَاِدرٌ

كَعِرْقٍ أَحْمَرَ فِي جَسَدِ السَّنَة

يُمْكِنُكَ أَنْ تُعِيرَ فَرَحِي للعَالَمِ كُلِّهِ

أنَا لَكَ اليَوْمَ

للعَالَمِ

أَعْطِنِي قَنَادِيلَ يَدَيْكَ

أَعَلِّقُهَا فِي الغُرَفِ الجَرِيحَةِ التِي تُفَكِرُ في الانهِدَام

أَصَاِبعُكَ تَكْفِي لِتَنْدَى الصَّحَارَى المُنْتَفِخَةُ تَحْتَ جِلْدِي.

خُذُوا بَعْضَ القَطَرَات

خُذُوا مِنِّي نَظَرَاتٍ تَضَعُ قُلُوبَكُمْ فِي إِطَارَاتِ شَبَابِيكَ خَشَبِيَّةٍ خَضْرَاءَ

قَلْبِي لِلأَخْضَرِ اليَوْمَ

لِلأَشْجَارِ

وَالشَّوَارِعِ

وَالحَافِلاَتِ التِي تَحْمِلُ حُزْنَنَا

وَتُسَلِّمُهُ لِيَدِ النِّسْيَان.

جُسُورُ يَقِينِي بِكَ اليَوْمَ

تَمْتَدُّ

تَمْتَدُّ

لِيَعْبُرَ العُشَّاقُ

وَالغُرَبَاءُ

نَافِضِينَ عَنْ أَخْيِلَتِهِمْ رِمَالَ أَمْسٍ قَاحِلٍ.

 

خالد بن صالح

مياه نائمة تحت قمر يابس

حاولنا استنطاق المدينة قبل صحوها

لم تكن هناك من نهايةٍ واضحة للعالم

لم يكن أحدٌ سوانا في الجوار

لا أضواء تدلُّ على البيوت المتلاشية خلفنا

لا قمر يجرُّ قطيعاً من نجومٍ فوقنا، وما من سماء

مضينا بنيةٍ مسبقة في الحب

لا نملك غير ثيابنا القليلة،

تمسكين بذراعي بينما نتعثَّر بحجر الطريق

تقولين، “كنتُ أنام عارية هناك”. إصبعك تشير إلى مكان مجهول

أمواج الضحك الهادرة، تفضحنا

مدفوعان بأغنيةٍ تتقد شموعها

كلما ارتفعت عالياً

نتقاسمُ حصتنا من المحرقة

ولا نسأل بعدها أين كنا،

وأي سنة سيكون ذلك..

 

أحمد عبد الكريم

أقرأ الحزن في صمت الكناري

كان لي زوج كناري،

زهرتي لوز ربيعيهْ..

يملآن البهو شدوا وغناء..

كلما الصبح تجلّى.

استشاطا فرحينْ..

كان لي زوج كناري عاشقينْ

ذكر.. من ياسمين الشام أبهى،

أحمر المنقار، مرشوش بألوان قزحْ..

إن رأي أنثاه غنّى..

أيها الريش البهيّ،

أيها الصدر الشهيّ،

يا كمثرى الشفتينْ.

إن رآها جنّ رقصا وفرحْ..

مرّة أبعدتها عن ناظريه،

فاستبدَّ به حزن عظيم،

انتحى ركنا قصيّا،

لم يذق شيئا،

ولم يصدح ْ

كما العادة بالصوت الحنون ْ.

كنت أخشى عضّة الجوع عليه..

أن يموت الطائر العاشق مجنونا كقيس..

كنت أخشى لسعة البرد على زوج الكناري

أن يطيرا في السماوات العليّهْ

فأقضّي العمر محفوفا بصمتي..

واعزّي نفسي الثكلى..

أن أسراب الكناري

خلقت للحب و للحريّهْ.

كنت أخشى..

ذلك الفجر الحزين..

لم يكن من عادة طيريّ تأخير الأغاني

و تفقدت طيوري،

قلت ما لي لا أرى أنثى الكناري،

هالني ما أبصرت عيناي،

أأضغاث حلم ما أرى

أم ما أراه حقيقة؟

مشهد فوق احتمالي..

قطرات من دم الأنثى..

وبعض الريش منثور بأرجاء القفص..

قتلت أنثى الكناري

غالها قط لئيم،

حين أغفت..

وهي تهفو للغد الآتي نديا،

من رآها أو رآه

في الدجى تلمع عيناه..

أغمد المخلب  في صدرها الغض

فأرداها قتيلهْ..

اخرس الحزن لساني..

أدرك الآن لماذا يصمت شاعرْ

إن رأى الموت حواليه يطوف.

أخرس الموت مقامات الكناري،

لم يغرد بعدها أبدا،

أو تغادره حزينات الطيوف.

 

لميس سعيدي

كتابة أخرى

أضع حياتي في كفي الصغيرة كمن يُخرج آخر قطعة نقدية من جيبه. أتأمّلها جيّدا وأدرك أنها لم تعد تصلح لشيء، غير أنّها تلمع، و كأنّ كل ما فعلتُه في هذه السنوات هو أنني جعلتها تلمع، دون أن يجعلها ذلك اللمعان أكثر قيمة وأكثر فائدة. أتوقف أمام النافورة العتيقة في المدينة الساحرة، أرميها كما يفعل العشاق، لأسمع رنينها الساحر لآخر مرّة حين ترتطم بالحجر الذي تغسله المياه كخطيئة قديمة، أطلق أمنية أخيرة وأمضي.

 * * *

في الطريق ذاته لا صوت ينبعث من الأكورديون مساء الأحد، فقط صوت كعبي العالي الذي يدقّ الحجر كآلة موسيقية قديمة. أحاول أن أحافظ على إيقاع منتظم فيما يشبه اللحن الحزين، وأندهش كالعادة من الدفء وكأنّ للهواء ذراعين تنبتان فجأة. أنتبه للوشم فوق عنق النادل. الوشم عبارة عن كتابة باللغة العربية، وحين يقترب ليقدّم لي كوب العصير، أقرأ “جان مالك”. أبتسم لهذا الاسم المركّب من “هويّتين”. لا أحب هذه الكلمة، “هويّة”، إنها كلمة بذيئة، تماما ككلمة “تسامح”، غير أن هاتين الكلمتين، وكما يبدو، لا تثيران في هذا البلد تلك الغرائز البدائية، لكن الوشم كالقدَر يثير دائما الأحلام والأوهام والمخاوف اللذيذة.

في طريق العودة، يرخي الهواء ذراعيه، و كأنّه يستسلم للوحدة والبرد. خطوتي تصبح أكثر حذرا و حنانا، و إيقاعها يخفت كأنني صرت حافية والحجر البارد الذي أتحسسه بقدمي صار ناعما كأنّما تحوّل إلى جلد، والخطوة إلى دقّة وشم.

 

رمزي نايلي

مثل جدار يطل من النافذة

ما عدت أذكر

فعادة ما تسقطُ على الكتف

رصاصة يصيبها العصفور في القلب

و عادة ما ينبح في قلب الليل الا الليلُ.

و أن هذا الارق مازال ينتفخ كالنصائح المنمقة..

أو كعجينة النسيان.

لا شيء يُذكرُ،

كل المسافاتِ اِبتكرت خطوات تليق بفِتنتها

كل الطيور تسعىَ للوصولِ إلى تلكَ الأجنحة

الــ في خيال الطيرانِ.

كُلِّي عثرة المعنى حين بالحزن تتضرر اللغة

.

.

ما عدت أذكر

فلا شيء لي الآن يدعو للمآثر

سوىَ مشيئة الكأس

حين أسكبها فوق صلعة حياتي.

.

.

لاشيء يليقُ بالموتِ وبالحياة

قليلٌ من القهقهةِ البائسة أوزعها على صبايا الزمنِ.

.

.

عدمٌ هو الحبُ، عدمٌ هائلٌ يحتوي القلبَ، هذا

مثوى الخيبةٍ بكامل دمائها

زهوُ الجرحِ إذْ يتَمَلَّحُ بذكراهْ..

.

.

ما عدت أذكر شيئا

فالموسيقى تنقضي على عجل كما النساء

أو كما الصباح.

.

و ها اّني أضعُ فجواتَ كبيرة في مصدر الصمت

فكبوة الصوتِ لا تزيدُ إلاَّ من انحسار الأمل.

تعالِ نصمتُ كثيراً

كي لا نسمع بعضناَ

نصمتُ لنمسكَ التعبَ من يده

وليُمسكناَ من يدينا خواءُ عارٍ

يرمينا في مدافن المرايا..

صورةً يُشَظيها البصرُ والعمرْ.

.

..

.

.

واقفاً مثل اليأس،

متيناً..

أقيس بظليّ قامة الوِحدةِ

التي تشاركني المرآة .

 

هدى درويش

غريبة…

هكذا غنى الألم…

و استعصتْ…

خبايا الفقدان عني

و صار العمر زاوية للنهاية

استيقظتُ…

فوجدتُ أسرارا

تمنح نفسها حاضري

و أنا التي لا تعرف بعد

يوبيل الصمت والوحدة…

شددتُ إلى صدري

أغنية الحفيف العابر…

و ما عثرت على أثر…

كل الأقدار توهجّتْ

لتخفي عنيّ

أفواه زهرِك…

فكيف لا أظّل طريقي بين رسائلك؟؟

هنالك…

حيث الدروب تَعْقِل الأمنيات

و يطوّق الوجع أحلام البصائر

و تترافع الحقول في ضجيجها

كلمّا…

رتلّتُ اسمك بصوتٍ عالٍ…

غريبة…

كأكليل ورد ناتئ

في سكون الندى

حطِّم أسوار بحركَ

و لنخرج…

إلى عراء الشوق معا

و لنطرح…

من معادلة الشجن أشواك سخطها

غريبة…

كطفل يحاور قبر أمّه…

كحلقة زائدة في جسر من حجر

واقفة أمام سدّتكَ…

و أخاديد السيول

تجرف عنقي إلى مقامك

و سقطنا معا…

و كسرتُ الأفول على وقع خطوتكّ!!

 من ديوان «لأنك دائما تكون غيرك»

 

صلاح باديس

مارس

كل من أعرفهن وُلدن في مارس

 من دون مقدّمات، أسأل الفتاة

عن تاريخ ميلادها، قبل أي شيء، فتقول:

مارس!

لا أسمع اليوم والسّنة: مارس !

هكذا كأنّها تُسمي كوكباً جاءت منه…

المرّيخ كما نُسمّيه،

أين تتكاثر النساء من دون رجال،

الحرارة تجعلُهن حبالي.

يلِدنَ بناتٍ كثيرات،

تُرسَلن إليّ تباعاً

ليسرقن أياماً كثيرة من عُمري،

ساعاتٍ لا تنتهي أقضيها غالباً في الإنتظار.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.