الخميس، 24 أكتوبر 2019

في باريس، أفروديت لا تنام

باريس: مراسلة خاصة

جسر الغشاق في باريس

في باريس، الحبّ يتحدّث لغات العالم المختلفة، يتغير طعمه بتغير فصول السّنة الأربعة. أينما مشينا سنشمّ عطر عشق جديد، بقايا لقاء عابر، صدمة خيانة مُعلنة أو فراق محتوم. في الميترو كما في الشّارع، تحت الأرض كما فوقها، سنصادف عشيقان يتبادلان القبل والكلمات الخافتة التي لا يفهم معناها أحد سواهما. نصادف أحيانا صينيان أو روسيان أو كونغوليان، يمارسان طقوسهم المُبجلة، غير مبالين بالعيون التي تختلس النّظر، وقليلا جدا ما نُصادف عربيان، قادمان من الجنوب، يبوحان بسرهما.

الحبّ في باريس يُبدل ثوبه مرّة كل سنة. ينمو ويتمرّد على تنشئته الأولى، فبعدما كان العُشّاق، في السّابق، يكتفون بنقش الحرفين الأولين من اِسميهما على جذع شجرة، يرسمان إلى جانبهما قلبًا يخترقه سهمًا، ويضافان إليهما كلمة Love أو كلمة Amour، صاروا لاحقًا يعلقون أقفالا، ينقشون عليها الحرفين الأولين من اِسميهما وتاريخ اِرتباطهما، على جسر يقطع نهر السّين، ويربط بين رصيفي أناتول فرانس وتويرلي، في مكان قريب من متحف اللوفر، ليرموا بعدها المفتاح في النهر، قبل أن يتبادلا قُبلا طويلة، تيمنا بخرفة قديمة تقول أن الماء يُطهّر قلوب العشاق، أو ربما تأثرًا بقصة ستاب وجين، في رواية «أشتهيك» للإيطالي فريديركو موشيا، والتي تنتهي بتعليق قفل يؤرخ لحبهما، على جسر ميليفيو الذي يقطع نهر التيبر في روما.

نقرأ على الأقفال المعلقة على الجسر الباريسي عبارات تفوح رومانسية، من قبيل: «ـينما ذهبت ستجدنني معك»، «الحبّ قدرنا»، «أنت حياتي»، وغيرها من العبارات الحميمة.

بعض الفرنسيين يرى في الفكرة تخليدا لمشاعر إنسانية، والبعض الآخر يرى فيها ممارسة صبيانيّة، لا تخرج عن كونها جزء من سخافات المراهقة، كما إن بلدية باريس لم تخفي تخوفها من تبعات الممارسة، بسبب الوضع الحالي للجسر الحديدي، والقائم منذ منتصف القرن التّاسع عشر، والذي ربما لن يصمد طويلاً أمام حشود العشّاق، وثقل الأقفال.

متحف الإيروتيكية

الحبّ تجربة من تجارب أخرى تمكننا منها مدينة  صاخبة مثل باريس. الحبّ في كل حالاته، الأفلاطونية والشبقية،  فمتحف الإيروتيكية، الواقع بشارع كليشي، يعرض على زواره ثنائيات العشق والجسد في بقاع العالم المختلفة، ويعود به إلى أكثر من عشر قرون مضت، حيث كان الحبّ شريعة وقانونا يرسم حياة الأفراد اليومية. وليس بعيد عنه سنجد شارع بيغال الشهير، حيث يقف كباريه «الطاحونة الحمراء»(Le Moulin Rouge)، الذي تأسس عام 1889، وحيث تتوزع محلات تجارة العشق التي تستقطب إليها زبائنا ومتلصصين من كل الأعمار.

شتاء2007، أثارت المكتبة الوطنية الفرنسية ضجّة بتنظيمها معرض «أسرار إيروس»، حيث كشفت عن مجموعة مهمّة من كتب ومخطوطات وصور ورسائل تتناول ثيمتي الحبّ والجنس، التي يعود بعضها إلى القرن السّادس عشر، معرض كشفت فيه، لأول مرة، عن نصوص ممنوعة لأشهر الأسماء الادبية في فرنسا، على غرار ماركيز دو ساد(1740-1814)، ومخطوط رواية «أحد عشر ذكر أو حبّ هوسبودار»(1907) لغويوم أبولينار، والتي وقّعها حينها بالحرفين الأولين من اِسمه، تجنبا للفضيحة وإدراكا منه بالفحوى الجريء للنّص، في فترة كانت فيها فرنسا ما تزال تعيش تحت سطوة المجتمع المحافظ، بالإضافة إلى مخطوطات بيار ماك أورلان(1882-1970) وجورج باتاي(1897-1962)، صاحب «المذنب»(1943).

توجب أن تنتظر باريس ماي/أيار 1968 لتعيش ثورتها الثّانية. والتي رفعت شعارا لها يقول: «لنكن واقعيين ونطالب بالمستحيل»، ثورة غيّرت توجها اجتماعيا وأحدثت حراكا داخل المنظمة التفكيرية للفرنسيين، وحرّرت «الحبّ» من شرنقة الممنوع، ومن يومها تعددت الاصدارات، من صحف ومجلات متخصصة في الحبّ وما يديور حول الحبّ، كما ظهرت دور نشر متخصصة، وشركات إنتاج سينمائية لا تهتم سوى بإنتاج أفلام رومانسية وأيروتيكية، على غرار «بلونش» و«ميساردين».

الحبّ سيبقى يرسم قدر الأفراد، سيبقى سببًا للسّعادة أحيانا وللشّقاء أحيانا أخرى، سيظل «الممكن البعيد» بحسب تعبير جورج باتاي، سيكون من الصّعب التّخلص منه، ومن الممكن جدا ترويضه. ففي باريس لن يشعر العاشق بالوحدة، سيجد هناك دائما من يؤنس كبته وينسيه صدمة فراق حبيب سابق.

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.