الخميس، 17 أكتوبر 2019

الزهوانية في خمس أغان

الزهوانية

أينما تحلّ الزّهوانية، فإن الفرجة مضمونة. تقترب من العقد السّادس وتحتفظ دوماً بوهج العشرينيات. كتومة، لا تحب الصّحافة وكاميرات التلفزيون. يتذكر كثيرون قصّتها مع «أم. بي. سي». يومها، تقدّم منها مُراسل المحطة طالباً إجراء مقابلة، فرفضت مُجيبة: «لا أعرف الحديث. ابحث عن مغنّ آخر». إجابة فهمها الصّحافي حينها تكبّراً، لكنّ صاحبة «سامحني» ترى أنّ مكانها هو على منصة الغناء فقط.

الزّهوانية(من مواليد 1959) لا تملّ من من تكرار عبارة: «الحمد لله. وفّقني ربي. والنّاس الذين يحبونني يعرفون أنّني صادقة مع نفسي». تتذكر فقط أولئك الذين يحبونها وتتجنب التّفاعل مع الشّريحة الواسعة، وخصوصاً الجماعات والتنظيمات الدّينية المحافظة التي تحاول إلغاءها بوصفها رمزاً من رموز «الفسق والرذيلة» في الجزائر، بحسب ما جاء على لسان أحد الناشطين في «حركة مجتمع السّلم»، مع العلم بأن كثيراً من المنتسبين إلى الحركة نفسها يواصلون تشويه صورتها، رغم كونها تحمل صفة «الحاجة». ففي ربيع 2005، أتمت الشابة الزهوانية الرّكن الخامس من الإسلام وأدّت فريضة الحج. سافرت الزهوانية إلى البقاع المقدسة على كلفة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة الذي أرسلها ضمن وفد ضمّ كتّاباً وفنانين وصّحافيين مقرّبين من السّلطة، على غرار الرّوائي أمين الزاوي، والممثلة دليلة حليلو، والصّحافي سعد بوعقبة. تكتفي الزهوانية بعبارة واحدة بُغية الردّ على حملة التجريح التي تمسّ شخصها: «أنا مسلمة!». لمّا عادت من البقاع المقدسة، اعتقد بعضهم أنّها ستسير وفق موضة انتهجتها مغنيات مطلع الألفية الجديدة، وتتمثل في طرق باب «التّوبة» ولبس الحجاب، كما فعلت قبلها المغنية والممثلة أسماء جرمون، والشّاب جلول. لكن الشّابة الزهوانية (اِسمها الحقيقي حليمة مازي) أبانت عن شخصية صلبة، وتذكّر: «كل واحد حرّ في خياراته»، مشيرة في آن إلى عدم توافقها مع ما ذهبت إليه زميلتها الشابة خيرة التي اِرتدت الحجاب لفترة قصيرة تحت تأثير ظرف معين، قبل أن تنزعه وتعود إلى منصات سهرات وهران الحالمة.

تعود بدايات الزهوانية إلى مطلع الثمانينيات ضمن فرق المدّاحات اللواتي رافقن أولى خطواتها في عالم الفن، وتعدّهن «مدرسة ننهل منها مبادئ الموسيقى». تميّزت بنظارتها الطبية، وبصوتها القوي وقدرتها على إعادة تأدية الأغاني المستوحاة من التراث، مثل «لالة تركية».

تنقّلت الصغيرة الزهوانية في الكثير من أحياء وهران، وشاركت في إحياء الأعراس والحفلات. وجاءت القفزة الحقيقية مع أغنية «البراكة» (1985) التي أدتها مع الشاب حسني (1968 – 1994). تُعدّ الأغنية من أكثر الأغاني الإيروتيكية في مسيرة أغنية الراي، وهي تحكي لقاءً حالماً بين عاشقين يمارسان طقوسهما، ويتغنيّان بالخمر والجنس بكلّ حرية. وهي أغنية أعادت أداءها مع الشاب خالد (1992)، مع تهذيب النّص الأصلي، وحذف بعض العبارات الماجنة.

لاقت الأغنية نجاحاً شعبياً، ومنعاً رسمياً. وبعد سنة، أدّت الزهوانية أغنية «خالي يا خالي» (1986) مع الشّاب حميد. فتحوّلت في وقت قصير – بالنظر إلى جرأتها على طرق المحظور – إلى ظاهرة ومحطّ اهتمام كبريات شركات الإنتاج مثل «ديسكو مغرب»، و«سان كريبان» و«ريزونونس».

جاء لقب الزهوانية تيمّناً بمغنّي راي معروف، حقّق حضوراً مهماً، مطلع الثمانينيات، يدعى الشّاب الزهواني. لكنّ شهرتها تجاوزت الزهواني، بالنظر إلى قدرتها على جذب الانتباه وإثارة الأحاسيس في الحفلات، بحركاتها المستفزّة على المنصة، ما عرّضها لوابل من الانتقادات والشتائم والتهديدات التي بلغت أوجها مطلع التسعينيات مع وقوع البلد تحت هيمنة الخطابات الدينية المتطرفة. هكذا اضطرّت إلى الفرار نحو فرنسا حيث واصلت عملها الموسيقي، وتلقّت نبأ اغتيال الشاب حسني الذي تقول عنه: «هو بمثابة الأخ. لا أصدّق حتى اليوم أنه رحل بتلك الطريقة التراجيدية». وكان الشّاب حسني قد اغتيل في وضح النهار، أمام بيته في حيّ ڤمبيطة الشّعبي في وهران عام 1994. عادت صاحبة «وين راك ترقد؟» عام 1999 إلى أرض الوطن، تزامناً مع وصول بوتفليقة إلى سدّة الحكم، وتعرّضت لاتهامات بالترويج للرّئيس والمشاركة في حملاته الانتخابية في الخارج. تجيب بنبرة غاضبة: «لست أعرف سبب تدخل بعضهم في أموري الشخصية. من يدري إذا كنت أذهب أصلاً إلى صندوق الاقتراع؟».

رافقت الشابة الزهوانية بدايات الرّاي، ونالت شرف الغناء إلى جانب أشهر الأسماء، من الشاب خالد والشاب حسني والشاب حميد والشاب عبدو إلى الشاب محمد لمين، ويعدّها المراقبون إحدى المُؤسسات الحقيقيات للراي، مع الشابة فضيلة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.