الخميس، 17 أكتوبر 2019

الراي لم يتغير، بل المجتمع وحده من تغير

محمد بن شنات

سنة كاملة مرّت على صدور أغنية «واي.. واي»، للمغني الوهراني محمد بن شنات، وهي أغنية أثارت، وما تزال تثير كلامًا ولغطًا واسعين، حول ما وصلت إليه موسيقى الرّاي اليوم، فبينما يذهب البعض إلى القول أن الراي قد خرج من الحقبة الذّهبية، تخلّص من عباءة المجد، ودخل مرحلة الانحدار نحو الأسفل، يعتقد بعض آخر أن الراي لم يتغيّر قطعًا، وأن «واي.. واي» وما شابهها من أغانِ ليست سوى جزء من نمط رايوي، صادم ومثير للجدل، ظهر في الأغنية الرايوية، في السّتينيات، وما يزال مستمرًا إلى الآن.

تشير الأرقام المتوافرة أن أكثر من خمسة ملايين شخص حمّلوا أغنية «واي.. واي» على الأنترنيت، وهو رقم كبير، إذا أضفنا إليه أعداد من اِستمع إلى الأغنية نفسها على أقراص مضغوطة، أو على واسطة إلكترونية أخرى، سنجد في المحصلة أن ما يناهز ربع الشعب الجزائري قد اِستمع إلى الأغنية نفسها، ولا يهم إن كانت أعجبتهم أو ضايقتهم، فما يعني أي مغنِ هو أن يجد جمهورًا يتلقى عمله، ثم مسألة النّقد هي مسألة ثانوية، تأتي لاحقُا، بالتالي لا يمكن القول أن أغنية محمد بن شنات، التي كانت محل تعليقات سلبية، وأحيانا ساخرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بعض وسائل الإعلام، كانت مشروعًا فاشلا، بل على العكس تمامًا، لقد حقق منها المغني نفسه ما طمح إليه و أكثر، بوصوله قاعدة من المستعمين عجز عن بلوغها من هم أقدم منه في الغناء، و أكثر خبرة و اِحترافية منه، ولعل والده الفنان هواري بن شنات سيحسده على ما وصل إليه في وقت قصير جدًا.

سميرة الوهرانية

أرقام الاستماع لأغنية «واي.. واي» تدحض فرضيات تراجع الرّاي إلى الوراء، بل هو يتمتع بحضور قوي، تماما مثلما كان قبل عشر سنوات من الآن مثلا، والشيء الوحيد الذي تغيّر هو شكل تلقي المجتمع، في مجمله، للأغاني الرايوية الجديدة، فالمجتمع الذي يتهافت على أغنية، بالملايين، ويستمع إليها في السّر، لا يتوان عن اِِنتقادها و التجريح فيها وفي صاحبها في العلن، مع العلم أن الأغنية ذاتها سنجد بسهولة نظيرًا لها في ريبرتوار الشّاب خالد، مع بداياته في السبعينيات، أو في أرشيف الشّاب حسني، وفي أرشيف غيرهم من النّجوم المُكرسين، الذين لم يروا، سنوات الثمانينيات والتسعينيات، في فضح ممارسات المجتمع الخفيّة كلامًا فاحشًا، وراحوا يهدمون المُسلمات، ويبنون عليها تجاربا لهم تقترب من المسكوت عنه وتبتعد قدر الإمكان عن مديح الجماعة والتملّق لها.

صار من يُفكّر في الطّعن في الراي لا يجد سوى «الإباحية»، في كلمات بعض المغنين والمغنيات، حصان طروادة له، لرفع سيف الأخلاق و القيّم العليا، والمناداة بتصفية المشهد الموسيقي للبلد، من مغني الكباريهات، كي تنتعش السّاحة بمغني المدائح وسلوكيات أبناء المدينة الفاضلة، هدفهم من ذلك النيل من موسيقى الرّاي التي تعود جذورها التاّريخية إلى أكثر من قرن من الزمن، فعدم الإطلاع الكافي عن مراحل تطوّر الأغنية الرايوية يغذي، بشكل طبيعي، العداء تجاهها، فلما تغني سميرة الوهرانية أغنيتها الأيروتيكية «تبغي!»، ولما تردد الشّابة دليلة «لسانك في لساني»، فهنّ يتقاطعن بالضرورة مع نصوص مؤسسة لتجربة الشيخة الريميتي، التي غنت الأيروتيكية في أوضح تجلياتها مع أغنيتي «شرك.. قطع» و«هاك السّرة هاك»، ولما يرتفع صوت الشّاب بلال الصّغير بأغنية «نسكر كلّ يوم» فهو لم يقل شيئا أكثر بلاغة من أغنية اِستمع إليها النّاس كثيرا للشّاب خالد: «اداتني السّكرة»، بالتالي، فما يجري تداوله حاليًا من أغان رايوية جديدة، تصفها جهات محافظة بأنها أغانِ غير أخلاقية، إنما هي أغان لها جذور تمتد إلى خمسين عامًا، وهي اِستمرارية لأجيال سبقت ولاقت إقرارًا من المجتمع ومن السّلطة، ورفضها اليوم إنما هو محاولة فاشلة لغربلة موسيقى تجاوزت المحلية إلى العالمية، وصارت أكبر من مجرد حصرها في سلّة من الأحكام القيمية.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.