الخميس، 24 أكتوبر 2019

أحمد دلباني ﻟ«نفحة»: تحييد الدين عن السياسة

حوار: نورالدين بوطغان

أحمد دلباني

يتناول الأستاذ والمُفكر أحمد دلباني، في هذا الحوار المُطوّل الذي خصّ به مجلة «نفحة»، مواقفه المثيرة للجدل حول العديد من القضايا الرّاهنة، بنظرة فكرية وفلسفية وحتى سياسية جديرة بالاهتمام، ويجتهد الأستاذ دلباني دائما في إبراز مواقفه من راهن الأمّة بغية تشريح واقعها وإيجاد الحلول  لمشاكلها وهمومها.

والأستاذ أحمد دلباني كاتبٌ ومُفكرٌ من الجيل الجديد في الجزائر. يهتم بقضايا الفكر والإبداع وأسئلة الرّاهن الثّقافي والحضاري من منظور نقدي. نشر العديدَ من المُؤلفات النّقدية والفكريّة في الجزائر والخارج، وبالأخص في سوريا. أهمها «مقامُ التحول: هوامش حفرية على المتن الأدونيسي»(دار التكوين، دمشق 2009) و«قداس السقوط: كتاباتٌ ومُراجعات على هامش الربيع العربي»(دارالتكوين، دمشق. 2012) وآخر إصداراته: «رمل اليقين، المجتمع العربي وأسئلة الثورة والديمقراطية»(دار التكوين، دمشق 2015).

قضية الاعتداء الأخيرعلى مقر صحيفة شارلي إيبدو بباريس يعتبرها الكثير من المتتبعين إستمرارا لمسرحية بدأت ذات 11 سبتمبر 2001، و تهدف إلى  ضرب الإسلام و المسلمين من خلال خطّة يهودية، كيف قرأتم القضية وتداعياتها؟

لا أعتبرُ، شخصيا، ما حدث في باريس من خلال الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو بمثابة 11 سبتمبر (أيلول) آخر إن شئنا تحرِّي الدّقة أكثر، وإنما فصلاً جديدًا مُكرَّرا من العلاقة المتوترة بين الإسلام والغرب منذ حلّ الصِّدام الهوياتي محل الصِّدام الإيديولوجي بانتهاء الحرب الباردة. إنَّ الهجوم الإرهابيَّ الذي تمَّ على الولايات المُتحدة الأمريكية لم يستهدف القيمَ الغربية وإنما رموز القوة الأمبريالية من خلال وجهيها الاقتصادي والعسكري على خلفية الصِّراع في الشّرق الأوسط والوضع في العراق وفلسطين كما هو معروف. بينما الذي حدث في باريس كان رسالة مُباشرة تحمل جوابا عن الموقف من حرية التّعبير والتفكير ووضع الأديان والرّموز الدينيَّة في الدّولة العلمانية. إنها، بمعنى ما، حربُ قيم. ولكنها أيضا لا تعدمُ خلفية تقفُ على مجمَرةِ الصِّراع في المنطقة العربية والتدخل الغربي السَّافر هناك أيضا؛ كما لا تخلو من تراكم مشاكل الهجرة التي تطفو على سطح الأحداث في صورة عنف ورفض غير مُسيطر عليه للقيم الغربية. لذا يبدو لي أنه من الأنسب أن نقرأ الأحداث في سياق الصِّدام الذي يكشفُ عن وجودِ حدودٍ ثقافية وحضارية بين العالمين الإسلامي والغربيِّ، لم يُتح لها أن تمدَّ جسورًا بينها في ظلّ مُناخ التوتر والانغلاق الهوياتي الذي يزدادُ إحكاما مع فشل العقل النّقدي واِنتعاش المُتخيَّل المُرعب عن الآخر المُختلِف. هذا يكشفُ – في أوروبا تحديدًا – عن فشل عام في سياسة الاندماج وتوفير شروط المُواطنة الفعلية التي تتجاوز الإطار الشكلاني للحقوق الديمقراطية لتشمل الأبعاد الثقافية والاقتصادية أيضا للمواطنة. هذه، بالتالي، مُشكلة الغرب مع مكوناته السوسيو- ثقافية المُرتبطة بتاريخه مع المُستعمرات السّابقة وأبناء الهجرة من الذين شكلوا – لعقودٍ طويلة – قوة العمل الرَّئيسيَّة فيه. إنَّ هناك اِنكفاءً على الذّات في الغرب يتجلى في الخطاب الفكري والسياسيِّ عند بعض النخب المُحافظة، ويشكل اليوم قوة سياسيَّة كبيرة تنهل من المخاوف والمشاكل الاقتصادية التي تواجهها فئاتٌ عريضة من المُجتمع الغربي، وهو ما جعل هذا الأمر يرفدُ النزوع العنصريَّ ضدَّ الجاليات الإسلامية والإفريقية عند البعض كما هو معروفٌ.

هذا من جهةٍ أولى. كما نرانا مُلزمين أيضا بالإشارة إلى أنَّ الفشل في سياسة الاندماج في المُجتمع الغربيّ العلمانيّ يكشفُ – من جهةٍ أخرى –عن هذا السِّحر الذي يمارسُه التطرف الهوياتي الأصولي على من يشعرُ بالتهميش والوجود المُفرَغ من المعنى والقيمة. إنَّ هناك رغبة في تأكيد الذات والنزوع الطبيعي إلى الكرامة والاعتراف لا تجدُ لها مُتنفسا كافيا في المُجتمعات الغربية، وهذا ما يشجعُ على التمرد ضدَّ واقع صعبٍ يعيشهُ «أبناء الضواحي» بالمفهوم الشامل: اِجتماعيا واِقتصاديا وثقافيا أيضا. والدّين هنا يلعبُ دور الحاضنة التي توفر هوية جاهزة وملاذا دافئا يلتقي فيه الإنسانُ بنفسه بعيدًا عن عالم لا يبذل جُهدًا كبيرًا من أجل الاعتراف بكل مكوناته في إطار من العدالة والمُساواة الفعلية. إنَّ الدّين هنا آلة اِستقطابٍ عملاقة لليائسين المُهمَّشين الباحثين عن وجودٍ أفضل، وهو، بدون أدنى شكٍ، «قلبُ عالم بدون قلب»، كما كان يقول كارل ماركس بحق.

غلاف رمل اليقين

في أي سياق  إذن يمكن وضع  هذه الاعتبارات المختلفة، وما هو المطلوب من العرب، ومن المسلمين في الوقت الرّاهن؟

هذه الاعتباراتُ كلها، كما نلاحظ، تضعنا في السياق السوسيو- سياسي والسوسيو- ثقافي الواسع للمُشكلة بعيدًا عن الهياج الذي رافق الاعتداءَ على الصحيفة وقتل الصحافيين. ولكن هذا الأمرَ يجبُ أن لا يُنسينا الإدانة المُطلقة لجريمة الاعتداء أيا كانت المُبرِّرات. وما أردتُ، هنا، أن أقول هو أنَّ مُعالجة هذه الأوضاع التراجيديَّة والسيطرة عليها لا تكونُ بالحلول الأمنية وحدها وإنما بالمزيد من ترسيخ قيم الديمقراطية الفعلية وبخاصةٍ في أبعادها الاقتصادية والثقافية من أجل ضمان «العيش المُشترك» الذي يبدو أنَّ الليبرالية في طبعتها الجديدة لم تعُد تكترثُ به كثيرًا. وفي اِعتقادي أنَّ على الغرب أن يعتبرَ هذا الأمرَ جزءًا من مشكلاته مع ذاته ومع تاريخه لا مشكلة مع العالم الإسلاميِّ والضفة الجنوبيَّة للمُتوسط فحسب. إنَّ هناك واقعا مُلتهبا يفرضُ نفسَهُ ويطلبُ حلولا حكيمة بعيدًا عن خطابات «مديح الحدود» لثقافةٍ غربية وصلت إلى «سنَّ اليأس» بعد قرون من العنجهيَّة التي رافقت خطاب الكونية مع «الأنوار».

ولكنَّ هذا أيضا لا يكفي. فالعالمُ الإسلاميّ مدعوّ، هو الآخر، إلى مُراجعةٍ شاملةٍ لتاريخه والخروج من الزّمن الثّقافي والاجتماعي الرَّاكد الذي يأسرهُ في زنزانة الماضي البائد قِيما ومعرفة وذهنية. إنَّ هناك مُمانعة شديدة – سوسيولوجية وثقافية – في عالمنا العربيِّ / الإسلاميّ إزاءَ كل تحول ثقافي أو سياسيّ عميق قد يُعيدُ النظر بصورة جذرية في البنية المرجعيَّة/الماضوية للفكر السَّائد والبنية الذكورية/البطريركية للمُجتمع والحياة بعامة. يلزمنا تحوّل عميقٌ ينبثقُ معه «الكوجيتو العربي» الذي طال اِنتظارُه. أما خطاباتُ الخصوصيَّة التي تنهل من مُناخ الصِّراع الأيديولوجي فلا تمثل مخرجا من مأزقنا الحضاريِّ الكبير. إنها دليل اِنكماش وأزمة مع العالم المُعاصر وقيم الحداثة التي لم تستطع اِختراقَ مُجتمعاتنا بعد حركات التحرر الوطني ومُحاولات بناء الدولة الوطنية. كذلك أودّ أن أشيرَ إلى أنَّ الإسلامَ ظلّ، في عمومه، قوة أيديولوجية وماردًا ينتظرُ لحظة إفاقته متى أعلن الفشل التنمويّ الكبير عن نفسه في ظلّ الدّولة الأمنية العربية التي أرهقتها متاعب التحديث والتنمية والاستقلال الفعلي عن الخارج.

هذا من جهةٍ أولى. ومن جهةٍ ثانية نلاحظ بقاءَ الإسلام بعيدًا عن المُساءلات الفكرية الكبرى ومشاريع القراءة التي تجنحُ نحو التحرر من سلطة الموروث التأويلي الذي أصبح يحجبُ بسُمكِه كل منافذ الضوء على أسئلة العصر وقضاياه. كما نستطيعُ أن نلاحظ، أيضا، أنَّ الإسلامَ لم يتحرَّر بعدُ من هاجس السلطة ونوستالجيا الهيمنة على الفضاء الاجتماعي والتعبير عن الحنق لفئاتٍ عريضة تريدُ اِسترجاع مواقعها المفقودة تحت ضربات التّحديث المُتوحش وتفكك بنية المُجتمع التقليدي. أعتقدُ أنَّ «شهوة الوصاية» التي تحكمُ الخطاب الإسلاميَّ السّائد حجبت كليا «شهوة المُطلق» التي كانت ينبوعا ثريا للتجارب الروحية الكبرى في تاريخ الإسلام.

غلاف قداس السقوط

شهدت الجزائر نهاية السنة الماضية ما عرف بقضية كمال داود والشيخ حمداش، و كانت تصب حول حرية التعبير وقدسية الدّين، و كان لكم رأي فيها. هل يمكن أن تطلعوا القراء على نظرتكم لهذه القضية وموقفكم منها؟

لقد راعني شخصيا أن يُصبحَ التكفيرُ أوالدَّعوةُ إلى القتل العلنيِّ في الجزائر أمرًا مُبتذلا. هذا أمرٌ بالغ الخطورة حقًا. إنه يمسّ بالحق المُقدَّس في الحياة، وبالحقّ في التّفكير والتّعبير بحرية في بلدنا. ومرة أخرى يُثبتُ الداعية والمُناضل الإسلاميّ عدمَ جاهزيته للحوار والنّقاش الفكري الديمقراطي البعيد عن التكفير وعن اِدِّعاء اِمتلاك الحقيقة المُطلقة. مرة أخرى نثبتُ في بلدنا أننا لا نؤمنُ بالاختلاف، والدّليلُ الصَّارخ هو صمتُ الكثير من المُثقفين وتردّدهم الواضح في إدانة فتوى القتل المرفوعة إلى الدولة الجزائرية من طرف رئيس الحزب غير المُعتمد: جبهة الصّحوة السلفية. لقد فضلوا، مثلا، أن يتحدثوا عن رواية كمال داود وعن تطاوله المزعوم على الذات الإلهية أو تبعيَّته للوبيات فرنسا الاستعمارية. أما حياة المُثقف والكاتب فلا تعني الشيءَ الكثير أو ربما هي «مسألة فيها نظر». وهل هناك يا صديقي معنى آخر لـ «خيانة المُثقفين» أسطعُ من هذا؟ أعتقدُ أننا يجبُ أن نتفقَ على الحدِّ الأدنى من المبادئ التي تفرضُ علينا الالتزامَ بها أخلاقيا قبل أن نناقشَ قضايا الهوية والعلاقة بالآخر وحضور الدّين في المُجتمع. علينا أن نخلّصَ ردودَ أفعالنا من الدعوة المُضمرة إلى قتل من يفكرُ بحرية بعيدًا عن زنزانة مُعتقداتنا الخاصة. إنَّ هناك روحًا أمبرياليَّة شنيعة ورهيبة تسكنُ أعماق من يعتقدُ بامتلاك الحقيقة المُطلقة وقد تحولت إلى حصن يحمي الذات من عدوى الآخر.

إنَّ موقفي الشخصي يتلخَّصُ في الإدانة المُطلقة لدعوات القتل التي تُجابه الكلمة مهما كانت. هذا على المُستوى الأخلاقي الذي أتمنى أن يأخذ أبعادًا قانونيَّة ردعية وحازمة في بلدنا. أما على المُستوى الثقافي والفكري العام أعتقدُ أنه تقعُ على كاهل المُثقفين جميعا مسؤولية فتح النقاش النقدي المُعمَّق حول أشكال التطرف المُختلفة التي يتجلى بها العنفُ المُضمَر في مُجتمعنا على مُستوى الفكر والسلوك. وشخصيا أعتقدُ أنَّ ذلك يرجعُ، بالأساس، إلى بنية الثقافة البطريركية / الذكورية لمُجتمع عرف تدهورًا كبيرًا أصاب قِيَمَهُ القاعدية بعد عملية التحديث المُتوحش وتعثر التنمية بمفهومها الشامل. إنَّ الأصولية الدينيَّة ردّ سوسيو- ثقافي عنيفٌ ويائس على تراجع منظومة القيم التي كانت تحكم علاقات القوة في المُجتمع التقليديِّ الآيل للتفكك والانهيار. إنها طوقُ النجاة المخروم لفئاتٍ عريضةٍ شكلت ضحايا للدولة الوطنية وتاريخنا المُعاصر بكل تناقضاته. علينا أن لا نكونَ أصحاب شعاراتٍ جاهزة فحسب وإنما أصحاب بصيرةٍ نقدية تقرأ الأزمات في سياقها الأوسع بغية مُجابهتها بالشكل اللائق. علينا، في كلمةٍ، أن ندرك جيِّدًا أنَّ لشجرة الزقوم أصلا تطلعُ فيه: أرض الفشل والخيبة واليأس.

كثير من المفكرين والسياسيين والحقوقيين والدعاة تناولوا مسألة حرية التعبير والتفكير برؤى مختلفة ولم تكن الآراء متطابقة. هل يمكن أن تكون حرية التعبير مقدسة و مطلقة أم لها قيود وضوابط في نظركم؟ 

يجبُ أن نعلمَ، أنَّ حرية التفكير والتعبير وحرية المُعتقد كلها مُكتسبات حقوقية حديثة لم تكن تجدُ لها ضامنا قانونيا في الماضي التشريعي كله. إنها فتوحاتٌ أساسية للعقل الحديث الذي قطع مع البنية اللاهوتية للفكر، واِنفتح على مغامرة اِكتناه المعنى اِنطلاقا من الانسلاخ عن المنظومات الفكرية القديمة. إنَّ هذه الحقوق اِنبثقت عن «الكوجيتو» الذي أعلن مركزية الإنسان وحقّ العقل في البحث عن الحقيقة بعيدًا عن سيادة المرجعيات التقليدية التي هيمن عليها التصور الأرسطي / الكنسي للعالم والوجود والغائية. هذه الحقوق تتجذر، بكل تأكيد، في أرضية التّاريخ الغربي الحديث ومُشكلاته التي لم يخرج منها إلا بفعل ثوراته المعرفية والسياسية المعروفة والتي كانت، بدورها، مُعبِّرة عن تطلعات طبقاتٍ اِجتماعية ديناميكية طالبت بحقها في إدارة الشّأن العام من خلال تأسيس «عقد اجتماعي» يُنهي أزمنة الوصاية القديمة على الرّوح والعقل ومُجمل فاعليات الإنسان الأخرى. من هنا نفهمُ كيف أنَّ الغرب، اليوم، لا يتصوَّرُ أبدًا أن يضعَ هذه المُكتسبات الثمينة تحت طائلة المُراجعة. إنه يعرفُ جيِّدًا معنى الطائفية الدينية والوصاية المذهبية وحروبَ الأديان وهيمنة المُؤسَّسة الدينية. وبالتالي فمن حقه أن يُدافع عن قيمة التي اعتبرَها أعظمَ ما قدمت أوروبا للحضارة الإنسانية.

ولكنني أراني مُضطرا، هنا، إلى أن أتحدَّث عن وضعنا الإشكاليِّ الخائب بما أنَّ المُشكلة المطروحة اليوم تتعلقُ بالحنق المُتنامي على الغرب وحرياته التي يبدو أنها أصبحت مصدرَ إزعاج لعمُوم المُسلمين يسهلُ استخدامُها لتبرير حروبٍ مُقدَّسة جديدة باسم «ديانة الحداثة»، في طبعتها الهوياتية الجامدة. إنَّ الأمرَ يتطلبُ نوعا من النقاش الهادئ والفهم الذي نُسفت جسورُه، بكل أسفٍ، بين ضفتي المُتوسِّط. فمن جهةٍ أولى أرى أنَّ حرية التفكير والتعبير لا يُمكنها أن تستثنيَ الرؤية الدينيَّة للعالم باسم ضرورة «احترام المُقدَّسات»، إذ لم يكن من المُمكن تدشين العصور الحديثة إلا بالثورة على الرؤية الدينيَّة ونقد المُجتمع الطائفي القائم على الوصاية ونبذ المُختلف. إنَّ ميراثَ فولتير يمثل قيمة أساسية في الغرب الحديث. ولكنَّ «اِحترام المُقدَّسات» يُستخدَمُ اليوم ذريعة من أجل تبرير الخصوصيات الثقافية التي تدوسُ على أبسط حقوق الإنسان كما نجدُ في العالم العربيِّ/الإسلامي المُهتاج من رسوم كاريكاتورية وغير القادر على إحداث القطيعة الضرورية مع مُناخ العصور الوسطى الذي ينضحُ من تشريعاته ومُمارساته العدائيَّة ضدَّ الحريات الفردية والجماعية وتطلعات المرأة المشروعة إلى الحرية والكرامة. فماذا فعلنا من أجل أن نكونَ موضعَ اِحترام العالم لا باعثا على سخريته؟ ماذا فعلنا على مُستوى بناء مُجتمعاتٍ حديثة حُرّة وأنظمة سياسية تحترمُ حقوق الإنسان وتضمنُ العدالة والكرامة للجميع؟ لذا يبدو لي أنه من الأنسب أن نتولى بأنفسنا مُراجعة وضعنا الرَّاكد على كل المُستويات من أجل تجاوز المأزق الحضاريِّ والانسداد التاريخي الذي نعانيه. إنَّ هناك شللا عاما يكشفُ عن عجزنا التّام أمام التحديات المطروحة إلى الدرجة التي نبدو فيها مُجرَّدَ طاقة اِنفعاليةٍ وعدوانيَّة على ساحة العالم الذي لا يتوانى أبدًا عن منحنا دورًا أساسيا في مسرحية «عودة البرابرة» من أجل التّخطيط المُحكَم لحربه «المُقدَّسة»علينا. نحنُ المُشكلة.

غلاف موت التاريخ

مازلت الأوضاع في سوريا واليمن تشهد اِضطرابات منذ سنوات. هل ترون أنه صراع على السلطة أم هو صراع مذاهب بين السّنة والشّيعة؟ وكيف اِنزلق الخلاف بين المذهبين إلى هذا الحد المنذر بالخطر على الأمة ككلّ؟ و هل اِختلاف الأديان بشكلّ عام يؤدي بالضرورة للكراهية والتّصادم؟

المُشكل يا صديقي، على ما أعتقد، ليس في وجود الطوائف بحدِّ ذاتها. فهذا أمرٌ مفهومٌ وهو يُشكل جانبا مُهما من التّاريخ العقديِّ والمذهبيّ والسياسي المُرتبط بالتأويل الأيديولوجي للنصِّ المُقدَّس. ونحنُ نعرفُ أنَّ الطائفيَّة عُرفت في كل الأديان الكبرى قبل الإسلام بوصفها تعبيرًا عن الاختلاف الفكري/اللاهوتي المُمتد تاريخيًا في صورة اِنقسام يُؤبِّدُ «اِستراتيجيَّة الرَّفض» بين الأرثوذوكسيات المُتنازعة على ذروة المشروعية الدينية والسّياسية العليا كما يُعبِّر عنها البروفيسورالرَّاحل محمد أركون. إنَّ المُشكل الفعليَّ اليوم يكمنُ في البنية السياسيَّة الطائفية للدولة العربية والمُجتمع العربي. وهنا مكمنُ الخطر. إننا نُواجه خطرَ السّقوط الدَّائم في هاوية الحرب الدينيَّة التي مزّقت أوروبا قبل قرون ونراها تنتعشُ عندنا اليوم بفعل عوامل عديدة ترتبط بوضعنا السياسيِّ والثقافي الرَّاكد من جهةٍ أولى، كما ترتبط بمصالح الغرب القائمة على ضرورة إبقائنا خارج الحداثة السياسية التي تبقى الضامنَ الأوحد لاستقلالنا ومناعتنا ووحدتنا. وأعتقدُ، فضلا عن ذلك، أنَّ الطائفية تمثل أكبر عائق أمام حداثة الدولة والمُجتمع عندما تخرجُ عن إطارها الثقافي/التاريخي لتدخل ميدان الصِّراع السياسي. إنها، بمعنى آخر، تمثّل عقبة كأداء أمام اِنبثاق المُواطنة والمُساواة باعتبارهما ركيزة الديمقراطية الفعلية. وبما أنَّ الطائفية تقومُ على فكرة الخلاص والنجاة اِنطلاقا من موروثٍ خاص واِنتماءٍ تاريخي وتراثٍ تأويلي يدَّعي تمثيل الحقيقة، فأستطيعُ أن ألاحظ أنَّ الطائفية السياسية تقومُ على فكر يعتقدُ فيه كل طرفٍ أنه في حرب أبديةٍ مع الآخر ما دام مُختلفا. من هنا كون الدولة الطائفية أو دولة الطائفة الغالبة دولة وصايةٍ في حقيقة الأمر لا دولة رعاية وحماية تضمنُ العيش المُشترك بين المُواطنين المُتساوين.

هذا ما يدعوني دائما إلى ضرورة مُناهضة العصور الوسطى التي لا تُريدُ أن تنتهي عندنا. فمن المعروف أنَّ الدولة الوسيطة كانت وصيَّة على الحقيقة لا راعية للحقوق أو ضامنة للعيش المُشترك بالمعنى الحديث، وهذا من خلال الاستحواذ على ذروة الشرعية المُتمثلة في الدّين. ونحنُ نلاحظ أنَّ هذا الأمر ما زال يتناسلُ في تاريخنا الحديث ويترسَّخ أكثر بعد فشل الدّولة الوطنيَّة في تحقيق وعود الحرية والتنمية والوحدة والمناعة، ما جعلها تلجأ إلى منافسة الحركات الأصولية على أرضها وهذا بأن تخصفَ عليها من ورق الشرعية التي يوفرها المُقدَّسُ المُنتعش في أزمنة الرَّماد. من هنا أعتقدُ أنَّ خلاصَ مُجتمعاتنا من المأزق التاريخي الذي تعرفه لا يخرجُ عن العلمنة الإيجابيَّة وتحييد الدِّين عن الاستخدام السياسي ليبقى مجالا للتأمل الميتافيزيقي في وضع الإنسان ومُشكلاته العميقة من منظور مُنفتح على الكونية. كما تقعُ على العقل السياسيِّ العربي، في اعتقادي، مسؤولية الخروج من مُحدِّدات العقل الطائفي واللاهوت السياسي المُرتبط بالخلاص في شكله الديني القديم ليتأسَّسَ على «عقد اِجتماعي» جديد يقومُ على الشراكة والمُواطنية واِحتضان التّعدد والحريات والمُكتسبات الحقوقيَّة الديمقراطيَّة الحديثة.

 

 

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.