الأربعاء، 21 نوفمبر 2018

هدى درويش: قيثارة الحب

هدى درويش

في مكان ما… حيث البحر هنالك في المقابل وحيث الغرفة ليست غرفتي أولم أعرفها بعد أو أنني الآن بلا ذاكرة وحيث موزار يبدع في مكان قريب من هنا، شمس في المقابل لم أرَ في عذوبتها قط، مستلقية أنا على سرير شراشفه بيضاء، الحيطان مغلفة بورق أزرق باهت اللون وكل شيء مرتب… قد أكون بلا ذاكرة لكن ذلك العطر الرجالي المنتشر في أرجاء الغرفة يجعل لي ذاكرة من زجاج… أنهض متعبة لأكاد أضع رأسي على الوسادة… يلتهم أفكاري الدوار والهذيان، يدٌ تهدأ من روعي وتمسح على جبيني، فيتوقف العالم على حركة أناملها وتستدير البدور لأغرق في النوم من جديد لساعات ربما أولأيام أو لدهر… خرافة أنا كأصحاب الكهف. في المرة الثانية اِستيقظت ُأكثر حيوية ووعيا وعيونه زادتني يقظة أيضا… تراها الجنة رغم أنني على يقين أنها أحلى… أحدق فيه بهدوء وبتمعن لأسال:

  • ” أين أنا… من أنت ؟”
  • فيرد: “في المستشفى سيدتي”، مبتسما.
  • أقول: ” ِلمَ..؟
  • حادث بسيط كلفكّ بعض الساعات من الراحة الطبية…
  • أقول: “إنعاشا…”
  • يقول:”بعض المنومات جعلتكِ أحسن حالا”.

فأستريح قليلا. لأعاود سؤاله:

  • “لكن لم لا ترتدي مئزرا أبيضا …”
  • يقول لي: “لا تتكلمي كثيرا فأنت متعبة”

أحضر لي القهوة بكل ود وملامحه الشقراء يكثر بها الاحمرار ثم جلس على الأريكة متأملا، مبتسما، لأساله بعد لحظة:

  • “هل أصبتُ بخلل من نوع بروكا…؟؟ “
  • قال: “نعم لكنك الآن أحسن وتمت السيطرة على الوضع…”
  • فقلتُ مستغربة : “لم يكن عليك أن تكذب مطلقا أنت لست طبيبا… “

فخلل بروكا في الكلام هو عدم قدرة الشخص على إيجاد الكلمات خلال الحديث مع الآخرين، فيكثر إصدار رنين صوته بين كلمة وأخرى ويطيل ذلك إلى أن يساعده الآخرون بكلمات مناسبة تسهل عليه الحديث وأنا كنت أتكلم بطلاقة ولا شيء أقل من ذلك… فبرّق عينيه ثم ضحك ضحكة جميلة، جعلني لا أخاف منه رغم أني لا أعرف عنه شيئا وقال:

  • “إنّ ذكاء النساء أروع من جمالهن “.
  • قلتُ: “من أنت إذن…”
  • قال:”ناديني كما يحلو لك، المهم أنني من يهتم بك لأيام أو أكثر… “
  • قلتُ: “هل اِسمك بشع إلى هذا الحد… لدرجة انك لا تريد البوح به… “

ويا لتلك الضحكة ذات الصوت الفريد، أضحكني معه وأنا التي لا تبادل الغرباء حديثها ولا ابتساماته، يصمت ثم يقول :

  • “زياد … هل هو بشع ؟ “
  • قلت: “لا أدري إن كان حقا اِسمك… فمقياس بروكا للكذب لا يمكنه الكشف عن اِسمك مع الأسف”.
  • قبّل يدي مبتسما: “أنت عذبة أكثر مما كنت أتصور…”

عدت من التفكير إلى النوم دون أن أشعر وكان وجهه آخر صورة في الذاكرة لأصحو ليلا على عشاء مميّز وطاولة تتحفها الشموع وهو هنالك في الزاوية يحدق في زرقة الليل وزبد البحر القريب من الشرفة… أصبحت معه لا أفرق الصحوة من الحلم ولا الليل من النهار ولا أدري سبب ارتخائي هذا وعدم شعوري بالوسط الخارجي… يستدعيني للعشاء فأنهض بقامات متباطئة تجر بعضها نحوه… قدّم لي طبقي بنفس الابتسامة وبدأ يتناول صحنه فقلتُ:

  • “لن آكل شيئا حتى تفسرّ لي لِمَ أنا هنا ومن أنت…؟ “

توقف لهنيهة عن الأكل ثم واصله دون أن ينطق ببنت شفة، فأعدتُ طرح السؤال بكمية أكبر من الغضب… رفع عينيه التي أشعل فيها الله كل شموع الدنيا قائلا : “لا تغضبي… فلنتناول عشاءنا لنتحدث فيما بعد”…

  • قلتُ: “أتعدني… ؟”
  • قال: “أكيد”…

كنت بحاجة إلى ذلك العشاء… تحسّنتْ حالتي بين قوت الروح وقوت الجسد لينهض صديقي متجها نحو تلك الأسطوانات ليشغل إحداها ولينطلق خوليو في فضاء الغرفة محلقا في “تعالى وقبلني”… لبستني الدهشة في حقيقة الأمر لأنها أفضل أغنية له وأقربها إلى الوجدان، يحكي فيها تفاصيل وداع مؤلم بين عاشقين: “تعالى وقبلني… قبل أن تغادر هذا المساء … سوف لن أراك بعد الآن… لكنني لست غاضبا… ولا تحدثني عن الألم الذي تسّببه لي مع الوقت كل شيء سيتبدل… وسوف انتهي بنسيانك”.

أصبح لطعم شرائح السمك الأبيض ذوقا آخر وشهية أطيب بموسيقى إغليسياس الأكثر من راقية، عاد صديقي إلى أكله في منتهى الصمت، في حضور يمزج بين الجمال والمحبة، اِنتهينا من أطباقنا إلى النيسكافيه الأسود المزبد بما سوف يأتي من حديث، جلست على الأريكة وصداع في رأسي ليظهر لي قبل أن يناولني فنجان قهوتي بطاقة صغيرة تثبت أنه ينتمي للسلك الدبلوماسي الجزائري بباريس… أحد أهم كوادر السفارة الجزائرية فنظرت إليه مندهشة:

  • ” حقا… “
  • يبتسم: “طبعا “

“كيف وصلتُ إلى هنا أنا لا أذكر شيئا… بل أذكر…؟؟ ”

إنني لا أقوى على تذكر شيئ قبل مجيئي إلى هنا، لا أذكر سوى صباح صحوتي على هذا السرير، بدأتُ بالصراخ فجأة ليهدأ من روعي :

  • “حدث لكِ خلل بسيط في الذاكرة وسوف تكونين بخير خلال أسابيع…”
  • “هل فقدتُ ذاكرتي… ولكنني درستُ الصيدلية وكنت في سوسة ومن قبلها في وهران… أذكر حياة صديقتي وأمي “… أخرس فجأة …ليقول:
  • “أكملي …ماذا أيضا …؟ “
  • “أذكر عبد القادر…”
  • “من عبد القادر …؟ من هو؟”

أفضل الصمت و لا أجيب…  يصمت قليلا :

  • “هل كان لديك أصدقاء في ليموج…؟ “
  • أقول: “وهل كنت في ليموج…؟”
  • يسألني : “هل لديك أصدقاء في فرنسا…؟”
  • “وهل نحن في فرنسا…؟ أنا لا أذكر… باريس”.

تدمع عيناي في حيرة … يأتي بكل جرأة ليحتضنني:

  • “من فضلك يا جميلتي فلتهدئي”… تجاوبت مع ذلك الشعور الذي أتحفني به رجلٌ لا أعرفه على الإطلاق ثم يقول:
  • “هنالك سرّ أوّد أن أبوح به لك …هل تذكرين أوديت…؟ صديقتك الوحيدة في ليموج وفي باريس أيضا…؟ “
  • أرّد ودمعي رقراق : “لا أدري …لا أدري شيئا”.

يصمت مرةّ أخرى … لأقول:

  • “إذا كانتْ صديقتي حقا لماذا تركتني لك…؟ أنا لا أعرف أحدا في هذه البلاد”… ينظر أرضا صامتا: فأهزّ يده بشدة:
  • “أجبني لِمَ.. لماذا؟”
  • فيقول: ” لأنها توفيت… أنا آسف “
  • “كيف … لماذا … أين ماتت… لا يعقل أنني لا أعرف من أنا …وأين أنا…؟ “
  • يردّ بحزن: “لأنك تعرضتِ لحادث مرور وكلّفك جزءًا من ذاكرتك الحديثة وأوديت…اِثر انزلاقات متتالية على طرقات المدينة… جعلك تتلقين إسعافات في مستشفى ليموج إلى أن تحسنت ومن ثمة إلى الساحل الأزرق ﺒ «كان» أين نحن الآن… لي صديق جزائري هنا مختص في الأعصاب وأردتُ أن يعالجك لأنني أثق به كثيرا…”
  • أرد : “هل نحن ﺒ «كان» …؟ “
  • يقول: “وهل تلك الشمس التي لا نظير لها موجودة في مكان آخر من العالم …؟ “
  • أرد : “وهل أنا موجودة في هذا العالم …؟ هل عليّ أن ابكي على أوديت… هل هي من وهران أيضا…؟؟”
  • يرد : “لا… كانت مسيحية لبنانية”. أزيد استغرابا على حالتي:
  • “ومن أنتَ… وكيف وصلتَ إلي …؟ لا أذكرك صديقا…”
  • بل كنتُ جارا لكم …وكنت أعرف أوديت
  • “ولِمَ تهتم بي بهذا الشكل…؟”
  • “لأنني أوّد المساعدة… كما أنني كنتُ في نفس طابور السيارات المنزلقة على حافة الطريق وخسرتُ سيارتي أيضا… “

أسقطُ على كتفه منهارة فيزيولوجيا وسيكولوجيا ليضمني مرة أخرى وأذكر أنني نمتُ دون شعور.

استيقظتُ صباح الأحد على نغم فيروز وبدفئ حنجرتها توقظ حتى من هو في غيبوبة… حتى أنني فكرّتُ يوم كنت طالبة لو يحمل مقرر الجامعة تدريس فيروز كمادة من مواد الإنعاش …الكلّ في هذه الحياة في عناية مركزة ليس على أحد أن ْيدّعي أنّه بخير … لكلّ عُقَدٌ وعقبات وأفراح ونزوات ودمع وابتسامات. نهضتُ من فراشي بقامات حافية صامتة لأفتح الباب… أستكشف المكان لأجد ذلك الوسيم يمارس رياضته الصباحية بكل أناقة… فأطلتُ استراق النظر لأستفيق على صحوة عادت بي إلى طبيعتي… أذكر صدمة الحادث القوية لأستحضر صورة امرأة تنعطف على مقود السيارة ومن ثمة لا شيء يسمع أو يرى إلى لحظة دخول زياد إلى حياتي وإدخالي إلى حياته …يرفع رأسه ليراني واقفة جانب باب الغرفة فأتعرف على ملامحه لأندهش و أقول:

  • “أنتَ… أنتَ من كان في زاوية المقهى ايرل بيز؟”
  • ينظر إلي هنيهة: “أنتِ تتحسنين”…
  • بابتسامة أقول : “ماذا أفعل في بيتك إذن…؟ ثم أصمت بخجل وكأنه أجابني بعينيه أنه لا يريد أن يعيد لي ما قد سبق وقاله لي البارحة.
  • “أذكر أن أحدا كان يقود السيارة وأنني تعرضت لحادث… كانت امرأة لا اذكر اسمها …هل كنت أحبها…؟ “
  • يرّد : ” أظن ذلك… لم أكن أراك مع غيرها”
  • “هل كنت تراقبني…؟”
  • يقاطعني: “هل تفضلين قهوة أم شايا…؟”

أطأطأ رأسي وأصمت… لأستغرب أن بيته مرتبّ… فيحضر زياد النيسكافيه ليجدني مبتسمة ثم أمزق هدوء لحظاتنا: ” من رتبّ بيتك …هل تفعل ذلك بنفسك ؟

  • فيرد : ” لا لستُ متزوجا “… ويرفع حاجبه مبتسما . _
  • فأرد: ” أنا لم أسأل عن حالتك المدنية …”
  • “وأنا أجبتُ ألا أحد يرتب منزلي.. فلا زوجة لي”
  • أقول: ” هل من خادمة ربّما
  • يرد: ” لا أحد غيرك…”

يتبع ..

 

*فصل من رواية “نساء بلا ذاكرة”، ستصدر قريبًا في مصر.

هدى درويش، كاتبة وإعلامية من الجزائر

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

كشيوعيِّ يُدَخِّنُهُ التَّبغُ الوطنيُّ الفاسد

(إلى جدي تُّومي سعيدي المكنَّى بهو شي منه) …كشيوعيٍّ يصبُّ الحزنَ في الأنخابِ، يكوي صدره …

قراءة في رواية “زوج بغال” للروائي بومدين بلكبير

“زوج بغال”، تسمية تطلق على المعبر الحدودي بين الجزائر والمغرب؛ وبينما ظلّ الطرف المغربي محافظا …