الأحد، 16 يونيو 2019

في تمبكتو، الحرب تلد حبا

سعادة على هامش الحرب

قبل حوالي ثلاث سنوات، لم تكن تصلنا من تمبكتو سوى برقيات عاجلة عن يوميات حرب غير مُعلنة، وعن تقدّم الجهاديين من وسط البلد، وسيطرتهم على مدن مُجاورة، ولم نكن نسمع سوى عن وقائع الدّم والجَلدِ والرجّم، واِنتظرنا أشهرًا قبل أن يصل المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو(1961)، حاملا معه، خفية، كاميرا، ويتجوّل في شوارع المدينة، يلتقي بعضًا من أهاليها، ويكتب سيناريو «تمبكتو»، ويبعث من قلب التّكفير والتّحريم قصص حبّ وشغف بالحياة، وبملذاتها الإنسانيّة الصّغيرة.

ربيع 2012، وجدت تمبكتو العتيقة نفسها رهينة بين أيد الجهاديين، واِستمر حالها كذلك إلى غاية جانفي 2013، حيث تدخّل الجيش الفرنسي، مدعومًا من قوات إفريقية أخرى، وحرّر المدينة وما جاورها من حرس التّطرف، وخلال الأشهر التسعة التي عاشت فيها المدينة مخاضا غير رحيم، وقعت كثير من الفظاعات، ومن الطرائف أيضا، حاول عبد الرحمن سيساكو أن يجمعها كلّها في فيلم واحد، ركّز على البعد الإنساني من الحكاية، أكثر من التركيز على البعد التوثيقي الإستعجالي.

منذ البداية، يكشف المخرج عن أوراقه، ويظهر نظرة شاعرية عميقة في التعامل مع أحداث داميّة، يستعين بجمالية الصّورة، وكثافتها، لخفض منسوب الفظاعة التي ترافقها، ينطلق من مشهد غزال يجري في الصّحراء، وخلفه ملتحون في سيارة، من نوع جيب، يحاولون عبثًا قنصه، يليه مشهد واحد من الجهاديين وهو يصوب سلاحه نحو منحوتات خشبية، ثم مشهد زوج طوارقي، واِبنتهما، في خيمة، وهم يعيشون لحظات سلم مُصطنع وعابر، ويتبادلون مشاعر حبّ مُنفلت، وهم ينظرون حولهم إلى الخلاء الممتد، بعد أن هجر جميع جيرانهم المنطقة نفسها، بسبب خوفهم من الجهاديين.

صورة الرّجل(كيدان، الممثل إبراهيم أحمد) وزوجته(ساتيما، الممثلة تولو كيكي)، واِبنتهما الصّغيرة تجلس بالقرب منهما، كانت لحظة فارقة من الفيلم، فقد جاءت كخلفية لأصوات الرّصاص وصراخ الجهاديين، أرادها المخرج كرسالة مجابهة وتحدٍ لمنطق التّكفير الذي حاول جند التّطرف أن فرضه على المدينة، بإقرار قوانين تتفق مع قناعاتهم القروسطية، وتتعارض مع الشّريعة الإنسانيّة، بتحريم الموسيقى والتدخين ومنع الشّباب من لعب كرة القدم، وفرض النّقاب على النساء، ثم مبالغتهم في التعدّي على الحرمات، وتزويج القاصرات.

فريق عمل الفيلم

الأكيد أن الجهاديين أخطأوا الظنّ بأهالي تمبكتو، أرادوا أن يبتلع الرّجال ألسنتهم وتصير نساءهم ظلاً لهم لا أكثر، ولم يدركوا حجم الخطيئة سوى لاحقًا، فتشدّدهم لم يزيد النّاس سوى رفضًا لهم وتشبثا بالقيّم الإنسانية، التي توارثوها عن آباءهم منذ القدم، لقد أثبت الجهاديون قصر نظرهم، ومنحوا أهالي المدينة فرصة آخرى للتأكيد على بطولتهم، فالفيلم يقدّم مشاهدًا مختلفة، عن مقاومات أناس بسطاء للتكفيريين، المتكتلين دائما في جماعات مسلحة، مثل مشهد بائعة السّمك في سوق المدينة، التي ترفض لبس قفاز وإخفاء يديها، أو المغنية التي تستبيح قوانيهم وتغني، وتتحمل الجلد، دفاعا عن خيارها، ولم يكتفي عبد الرحمن سيساكو بهذا، فقد جعل من المتطرفين أبطالا لنكت وحكايات ساخرة، يصوّر واحدًا منهم (عبد الكريم، الممثل عبل جعفري) وهو يُطالب بتطبيق قوانين الجماعة، ثم ينقلب عليها بالتّدخين والرّقص خفية، ثم مغازلة اِمرأة متزوّجة، وجهادي آخر وهو يتحدث عن العالم بكثير من السّطحية، وقاضي المتطرفين وهو يجلس كتلميذ ضعيف التكوين أمام إمام مسجد تمبكتو، لقد وضع المخرج السّخرية في عمق السيّناريو، جعل منها عنصرًا محوريًا للفيلم، ومن خلالها قام بأنسنة القصّة، ومنحها روحًا ودفئًا، خفّف الفيلم من عبء من الاقتراب من المنظور التقريري، وسمح له بالحفاظ على خاصيته كفيلم روائي.

في «تمبكتو» لن نشاهد الحرب، كما جرت على أرض الواقع، بل شذرات منها فقط، فالمخرج عرف التّفاصيل، اِقترب منها، فهم خلفياتها، وجعل من الوقائع التي عرفتها المدينة التّاريخية قصّة شاعرية، تقترب من الملحمية في بعض الأجزاء منها، كما لو أنه أرأد أن يقود هجومًا معاكسًا على الجهاديين، بصور ومشاهد تعكس تعلق أهالي تمبكتو بالحبّ والفنّ والحياة، وهنا – برأينا – تكمن قوة الفيلم ذاته، الذي لم يسقط في فخّ الردّ على ما حصل بتكرار صور الفظاعة والموت، بل اِستطاع أن يسيطر على أعصابه، ويتخلص من غضبه، ويجعل من السّوداوية سخريّة وحكايات درامية مُشبعة بالإنسانية.

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.