الأحد، 16 يونيو 2019

ديجي كور: الفن تجارب

ديجي كور، على اليسار

هي واحدة من التّجارب الفنية، الأكثر نجاحًا، في فرنسا والجزائر وبقية دول المغرب الكبير، ألبومات «Raï’n’b fever»، التي أشرف عليها الجزائري Dj Kore (اِسمه الحقيقي جمال فزاري)، بين عامي 2004و2011، رسّخت تقليدًا فنيًا جديدًا، من خلال الجمع بين أنماط ثلاثة: الرّاي والراب والآر.أن.بي، صدرت التجربة في ألبومات أربعة، ثم توقفت، لتفسح المجال لتجارب مماثلة جاءت بعدها، لكنها عجزت عن منافستها.

ريحة لبلاد

الموسيقي جمال فزاري، أو ديجي كور، هو مُنَظر ومهندس نجاح راي.أن.بي فيفر. ولج الشاب جمال عالم التّلحين والاشتغال على الديجي، في سنّ الثّالثة والعشرين، محاولاً منذ بداياته الأولى، رفع رهان المزج بين أنماط موسيقية مختلفة، مستندًا في ذلك على مدركاته لأهم  ميولات الراهن و اِنشغالات المتلقي، الغربي والشّرقي في آن. كان يحاول جاهدًا التأكيد على لمسته الخاصة، متجنبًا اِجترار ما سبقه إليه آخرون، مركزًا على خصوصيته الشّخصية، المتمثلة في الهوية المشتة بين ضفتي المتوسط. رغم أنه كان يقيم في فرنسا، فإن جمال فزاري ظلّ متشبثا بأصوله الجزائرية، حيث ساهم إصراره الموسيقي وتشبثه بالمسعى الإبداعي في التوصل إلى توقيع أول أهم عقد في مساره الفني، وهو عقد اِلتحاقه بأستوديو Sony/Atv عام 2001، الذي يُعد أحد أهم أستوديوهات الإنتاج الموسيقي في باريس، كما شكّل عام 2001 عتبة النجاح و البروز الحقيقي لجمال كور، خصوصا بعد اِشتغاله على تلحين أغنيتي T.D.S.I و 5،9،1 المندرجتين ضمن ألبوم «الحياة قبل الممات»، لمغني الراب الفرنسي الشّهير رووف (Rhoff) (هذا الألبوم الذي بيعت منه سنة صدوره أكثر من 500.000 نسخة).

عامي 2002 و 2003، اِشتغل فريد كور مع مغنين ذوي سمعة عالمية، على غرار بوبا، كورناييه، ليسليه وغيرهم، لتتجسد خصوصيته عام 2004 بإنجاز الموسيقى التصويريّة لفيلم «تاكسي3»، ثم إطلاق، في السّنة نفسها، مشروع فرقة «راي.أن.بي فيفر»، الذي طالما راود ذهنه.

جمال كور اِستعان، في التّحضير للألبوم الأول، بخدمات الديجي سكالب (Skalp)، هذا الأخير الذي فضّل الانسحاب مع بداية التحضير للألبوم الثّاني «راي.أن.بي فيفر2»، فاسحا المجال لكل من الديجي بيلاك (Bellek)، الذي ليس في الحقيقة سوى شقيق جمال كور، و كذا بيغ علي (Big Ali) الذي يُعد من بين أهم موسيقي الديجي في أميركا، والذي شغل أيضا دور منسق التلحين، مع أداء بعض الوصلات الغنائية.

أسباب النجاح

غلاف الألبوم الأول

جمال كور، مُنظر المشروع نفسه، لم يكن موسيقيًا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، فقد كان أيضا رجلا ذواًقا، واسع الاطلاع على مختلف ميولات سوقي الموسيقي الفرنسية والمغاربية، كان جدّ متغلغل في دوائر الإنتاج وكواليس الماركيتينغ، حيث تكفي الإشارة، في هذا السّياق، إلى كفاءته على إقناع مؤسسة كولومبيا الموسيقية لتبني إنتاج الألبومين الأولين «راي.أن.بي فيفر1» و «راي.أن.بي فيفر2»، ثم في مرحلة لاحقة، بعد الإقتناع بجدوى المسعى وحداثة الفكرة، شرع كور في التواصل والتشاور مع أهم المغنين الذين اِستطاعوا تحقيق نجاحات خلال تلك الفترة، بين ضفتي المتوسط، وفي أوربا و أمريكا إجمالا، هذه الخطوة التي تعبر على مسعيين، الأول إبداعي، والآخر ترويجي، فحنكة الرّجل ساهمت في الجمع بين أهم الأسماء الغنائية بأقل جهد، حيث تمكن من لمّ شمل كوكبة نجوم، نذكر منها: فرقة ماجيك سيستام، ريمكا 113، الشّاب بلال، الشّاب مامي، رووف، الشّاب خالد، الشّاب فوضيل، رضا الطالياني، الشّاب محمد لمين، الراحل الشّاب عقيل، المغنية المُعتزلة ديامس، إيدير، والشيخة الريميتي أيضا، في آواخر حياتها، يُضاف إليهم اِسم الكوميدي مصطفى هيمون الذي تتجسد أهميته، في الألبومين الأولين، في لعب دور الممثل الصامت، في الفيديو كليب، مع العلم أن كل ألبومات الفرقة الأربعة تقوم على محورين أساسيين: الغناء، من جهة، ومن جهة أخرى إطلاق فيديو كليب، مع إدراج سيناريو تتحرك ضمنه مجموعة شخصيات بهدف لفت اِنتباه المتلقي و إثارة فضوله. من ألبوم إلى آخر كان المشروع ذاته يشهد اِنسحاب بعض الأسماء واِنضمام أسماء جديدة إليه، دونما أن يؤثر ذلك على توازن الفرقة أو يمسّ من مشروعيتها الإبداعية.

وهران.. أول العتبات

من فيديو أبله في وهران

شهدت، كما سبق ذكره، صائفة 2004 الإنطلاقة الحقيقية للمشروع، من خلال إصدار الألبوم الأول الذي تضمّن سبع عشرة أغنية، اِمتاز بعضها بخصوصية الثنائيات (الديو)، بينما جمع البعض الآخر بين أكثر من مغنين إثنين (ثلاثة و أحيانا أربعة). من بين أهم الأسس التي اِعتمد عليها المشروع، هي الجمع، في كل أغنية، بين مغنيين يؤديان نمطين موسيقيين مختلفين (راي+آر.أن.بي أو راي+راب مثلاً)، مع إدراج مقطع قصير بمثابة مدخل يميز كل ألبوم عن الآخر، بالإضافة إلى الرهان على تصوير فيديو كليب رئيسي بهدف الترويج للألبوم إجمالا.

راهن فريد كور، عبر الألبوم الاول، على تصوير أغنية «Un gaou à Oran»(أبله في وهران) بمثابة فيديو كليب رئيسي، الذي جمع الثلاثي الشاب محمد لمين و فرقتي 113 وماجيك سيسيتام، و الذي لم يخيب الظّنون واِستطاع تحقيق نجاح هام، فقد تمّ بثه عبر مختلف القنوات الفضائية الفرنسية وبعض القنوات العربية مدّة أسابيع متتالية، كما تداولت الأغنية نفسها عبر حفلات الأعراس بمختلف مناطق الجزائر، وظلّ الكثيرون يردد بعض مقاطع الأغنية: «كي نشوفك يزيد هبالي.. واش اللي طافي نيراني.. واه يادلالي.. ». كما ساهم نجاح هذه الأغنية أيضا في تقريب فرقة ماجيك سيستام من الجمهور الجزائري و أعاد بعض بريق الشّاب محمد لمين الذي عاش ومايزال يعيش مسارًا فنيًا متذبذبًا.

لم يكن، في الحقيقة، اِختيار عنوان «أبله في وهران» عشوائيًا، ففي المخيال الأوربي عمومًا والفرنسي خصوصًا، لا تزال مدينة وهران ترمز إلى القطبية الموسيقية بمنطقة شمال إفريقيا، فهي معبر عديد الأسماء الغنائية العالمية، من الشيخة الريميتي إلى الشاب خالد، لهذا فإن تضمين عنوان الأغنية الأساسية في الألبوم اِسم وهران نبع من رغبة ترويجية محضة.

كما تضمن الألبوم الأول أيضا تصوير شريطي  فيديو كليب ثانويين، لم يعرفا الرواج نفسه، جمعا بين الثنائي ليسليه وأمين، في أغنية«سوبري» (قدري) وريمكا والشّابة الزهوانية، في أغنية «ندبر رأسي»، كما تضمّن هذا الألبوم إحدى آخر إطلالات المغنية المعروفة، الراحلة الشيخة الريميتي، في أغنية «ريميتي ريديم».

علي يصنع الفرق

بيغ علي

بعدما بلغت مبيعات الألبوم الأول أكثر من 250.000 نسخة في فرنسا وحدها، عادت الفرقة بعد سنتين من ذلك، أي عام 2006، بألبوم ثانِ، حمل بعض التغييرات الطفيفة، تمثلت في اِنسحاب النجمين الجزائريين الشّاب خالد والشّاب محمد لمين واِنخراط أسماء جديدة، على غرار الشّاب عقيل، الثنائي المالي المعروف أمادو ومريم، بالإضافة الى موسيقي الديجي علي، أو بيغ علي (Big Ali)، القادم من نيويورك الأميركية، الذي يشتغل على غناء الراب والميكساج أيضا، الذي اِستطاع فرض صوته، كما ساهم بشكل ملموس في دمج بعض الإضافات على ألحان هذا الألبوم، واِستمر عمله مع الألبومين الثالث، والرّابع والأخير، الذي تضمن أول أغنية للشاب مامين بعد خروجه من السّجن، وهي ديو مع كنزة فرح (بعنوان: بعيدًا)، فبالرغم من قصر عمر التجربة، التي لم تتجاوز سبع سنوات،  فقد اِستطاع مشروع راي.أن.بي فيفر تأكيد حضور مميز له بين الأوساط الموسيقية المحلية و الشرق أوسطية، وحقق نجاحًا لا بأس به في أوربا إجمالا و فرنسا خصوصا، مؤكدًا على أن سبب النجاح هي فكرة أصيلة، مرفقة بالتزام في العمل، وتوظيف جيّد للتّقنية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.