الثلاثاء، 20 أغسطس 2019

عرب وقردة

بن علي لونيس

كيف تنظر هوليوود إلى الرّبيع العربي؟

كيف نظرت هوليوود إلى ثورات الرّبيع العربي؟ وهي المشهود لها بخوضها في كل شاردة وواردة تقع في العالم. فهوليوود لم تعدّ مجرد مؤسسة للصّناعة الترفيهية، بل أداة ناجعة في التأثير على الرأي العام، أو على الأقل توجيهه. فكثيرة هي الأفلام التي خلقت أزمات ديبلوماسية بين أميركا وبقية دول العالم، آخرها فيلم «المقابلة»(2014)، الذي عرض، على نطاق محدود جدًا، بسبب عملية قرصنة تعرضت لها شركة (سوني بيكتشر) المنتجة للفيلم، من قبل قراصنة من كوريا الشمالية، بحجة أن الفيلم ذاته يتعرض إلى حياة رئيس كوريا الشمالية ويتخيّل عملية اِغتياله.

يمكن أن نذكر أفلاما كثيرة وظفتها الغدارة الأمريكية في معاركها السياسية ضد من تصفهم بالأعداء الاستراتيجيين، نذكر فيلم (300) للمخرج زاك سنايدر، الذي يحكي قصة  300 فرد من الجنود الاسبارطيين، بقيادة ليونيداس، الذين قاوموا بشجاعة أسطورية الجيوش الفارسية، وقد حرص المخرج على تصوير الإنسان الفارسي في أبشع الصور، فهو المهوس باستعباد اليونانيين، ناهيك عن ذمة الخلقة والأخلاق، وقد تعرّض الفيلم لانتقادات شديدة من قبل حكومة طهران، لأنه جاء على خلفية الأزمة النووية بين أمريكا وإيران . فيلم آخر، «آرغو»، للمخرج بين آفلك، والذي حاز على أوسكار أحسن فيلم2013، يعود فيه المخرج، الذي لعب، في الوقت نفسه، دور البطولة إلى حادثة اِختطاف موظّفي السّفارة الأمريكية بطهران في نوفمبر 1979، من قبل طلبة إيرانيين غاضبين، في عزّ الثورة الاسلامية.. الفيلم نفسه يعيد الاشتغال على الصور النمطية عن الفرس المعاصرين، من خلال تسليط الضوء على الطابع الغوغائي للحراك الشعبي الذي أسقط حكم الشاه وأعلن قيام الدّولة الدّينية.

من فيلم 300

طبعا لا نستطيع أن نذكر كل الأفلام التي أنتجت لأغراض تصب في خانة تشويه الآخر، ويمكن أن نعقِّب هنا ونقول أنّ الأفلام التي تمرّدت على هذه الصّور النمطية وقامت بخطوة جريئة نحو أنسنة الآخر هي قليلة، نذكر منها فيلم (مملكة الجنّة) للمخرج المثير للجدل ريدلي سكوت، صاحب تحف سينمائية أخرى، مثل: سقوط الصقر الأسود الذي يدور موضوعه حول التدخل الأمريكي في الصومال، وفيلمه الملحمي الذي يندرج ضمن أوديسا الخيال العلمي (بروميثيوس)، أما آخر أفلامه ( الخروج: آلهة وملوك)، بطولة كريستيان بال، صاحب دور الرجل الوطواط، فيدور حول حياة النبي موسى، لكن بمنظور مختلف بدأ أثار ضجيجا في الكواليس. يقدم فيلم (مملكة الجنة) صورة إيجابية للمسلم، ممثلا في شخصية صلاح الدين الأيوبي الذي جسّد دوره باقتدار الممثل السوري غسان مسعود، غير أنّ الصورة الايجابية التي قدمها الفيلم عن المسلمين أثارت حفيظة البعض وحاولت بكل الوسائل حظره، بل وقطع التمويل على هذا المخرج في مشاريعه المستقبلية.

يمكن أن نلاحظ أنّ مثل هذه الأفلام التي تبني فلسفتها على معاداة الآخر وتقديم صورة سلبية عنه، تسير على نحو متوازي مع ما يطرأ من قضايا سياسية في العالم، فلا تكاد تمرّ واقعة لها حضورها المهيمن في الرأي العام في العالم إلاّ وأسرعت هوليوود إلى إبداء موقفها منها، بإنتاج أفلام ضخمة، مدافعة عن وجهة نظر أمريكا التي تظهر حينًا في صورة الضحية التي في حاجة إلى تضامن العالم معها، ونذكر هنا فيلم ( 11/9 ) للمخرج الكبير أوليفر ستون، بطولة نيكولاس كايج، حيث ركّز على المأساة الإنسانية لضحايا الهجوم الإرهابي، وتضحيات رجال الإطفاء الذين رهنوا حياتهم من أجل إنقاذ العالقين تحت أنقاض البرجين، وتظهر حينًا آخر في صورة المدافع عن الخير المطلق ضد الشر المطلق، الذي يأخذ ملامحا خارجية (الهندي الأحمر، الجاسوس السوفياتي، الإرهاب القادم من الشرق الأوسط، الكائنات الفضائية التي نجدها بنفس مواصفات الشخصيات السابقة)، هذا يعني أن صناعة الفيلم السينمائي في هوليوود هي في الأساس فرض لتصورات وأفكار وأيديولوجيا الإنسان الأمريكي القوي.

أن تشوّه صورة الآخر

إدوارد سعيد

في كتابه «تغطية الإسلام، كيف تتحكّم وسائل الإعلام الغربي في تشكيل إدراك الآخرين وفهمهم؟» كتب إدوارد سعيد بأنّ إنجاز فيلم عن العرب وعن المسلمين أوعن أقوام آخرين (سواء كان تخييليا أوتسجيليا) هو تعبير عن «القوة الثقافية للغرب»، لأنّ الفيلم في واقع الأمر هو خطاب تفسيري، تتحكم فيه مرجعيات سابقة، تحدّد له الخطوط التي يجب أن يراعيها، ويحرص على عدم تخطيها، فكيف يستطيع المرء – يتساءل إدوارد – أن يفسّر ثقافة أخرى إن لم تكن ظروف سابقة قد وضعت تلك الثقافة في متناول التفسير من الدرجة الأولى؟ وتتمثل تلك الظروف فيما يختص بالاهتمام الغربي بالثقافات غير الغربية في الظروف التجارية، والاستعمارية، وظروف التوسع العسكري والغزو والامبراطورية. ولا يمكن لأحد اليوم أن ينكر مثل هذه العوامل التي تغذي السياسة الأمريكية خاصة في علاقتها بالمجتمعات الأخرى. لهذا، فإنّ هوليوود هي من أهم وأخطر الأسلحة التي توظفها أميركا لترسيخ صورتها ولتشويه صورة الآخرين، لأنه سلاح يستهدف الذهينات والمخيالات وأنظمة التمثيل، وفوق ذلك تتوفر الصناعة السينمائية على قاعدة جماهيرية كبيرة جدًا، وبذلك فامتداد تأثيراتها يطال عددًا لا نهائيا من المستهلكين من مختلف الشرائح الاجتماعية ومن مختلف الأعمار والأيديولوجيات.

أعود إلى السؤال الأول الذي طرحته في مدخل هذا المقال: كيف نظرت هوليوود إلى الرّبيع العربي؟ وكيف تلقت ثورات عرب عام 2011؟ قليلة هي الكتابات التي تعرّضت إلى هذا السؤال، وقد يظن البعض أنّ هوليوود قد تجافت عن الاهتمام بربيع العرب، وهذا غير صحيح، لكن قبل أن نجيب عن هذا السؤال، لابد أن نتعرّف على موقف الغرب من هذا الحراك الشعبي، وهنا سأترك المفكر التونسي فتحي المسكيني يوصّف لنا تلك المواقف في فقرة أجدها تصيغ بدقة ما يمكن أن يكون موقفا غربيا من هذا الربيع. يكتب المسكيني في «الكوجيطو المجروح»: «ينظر الغرب إلى ثوراتنا بعين قلقة ومرتابة وخائفة: عين قلِقة، لأنّه لا يعتبر ما يقع ثورة بالمعنى التقني «الحديث»(أي الصيغة المعلمنة من الثورات الأوروبية)، بل «أحداثا» بلا أفق أخلاقي محدّد؛ وعين مرتابة لأنّه يشك في قدرة شعوبنا على الحرية، حيث لا يرى في الرّغبة في التحرّر لدينا رغبة في الديموقراطية بالمعنى اللّيبرالي بل حرية خائفة من فكّ الارتباط الأخلاقي والقانوني مع الغرب متى أمسك الإسلاميون بالسلطة».

الثورات العربية إذن هي ثورات الرّيبة والقلق والخوف، وهي في نظر الغرب ثورات لا تتوفّر على شروط الثورات العظيمة التي يمكن لها أن تبث الأمل في حياة أفضل، لأنها دون أفق أخلاقي. قد نلمح أيضا وراء هذه الشكوك سؤالا مندسا وهو ما معنى أن يكون العربي ديموقراطيا؟ هل تستطيع الديموقراطية أن تخرج العرب مما هم عليه من تشرذم وتمزقات وتناحرات؟ أليست بنية المجتمع العربي متناقضة مع مفهوم الديموقراطية، وهي أميل إلى البنيات الهرمية التقليدية؟

في 2011، ومع بداية الشرارة الأولى للثورات العربية المعاصرة، تزامنت الأحداث مع ظهور نسخة جديدة من سلسلة أفلام «كوكب القردة»، حملت عنوان «كوكب القردة: الأصول»، من إخراج البريطاني روبرت ويات، وبطولة جيمس فرانكو و أندي ساركيس الذي لعب دور القرد (سيزار).

الفيلم هو النسخة رقم تسعة من سلسلة أفلام ( كوكب القردة ) المقتبسة عن رواية الفرنسي بيير بول ( 1912 – 1994 ) «كوكب القردة»، التي صدرت عام 1963 وهي تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، تتحدث عن عاشقين يسافران إلى الفضاء الخارجي في رحلة استكشافية، ليكتشفا زجاجة تحوم في الفضاء تحتوي على رسالة كتبها قائد رحلة فضائية هو البروفيسور آنتيل، ومساعديه آرثر لوفين وأوليس ميرو، وهذه الرسالة في واقع الأمر قصة طويلة عن اِكتشاف هذا الطاقم لكوكب غريب مأهول بالقردة.

لم تثر الرواية اِهتماما جماهيريًا في فرنسا، بل أن النقد لم يحتف بها، واِعتبرها انقاد رواية سطحية وتجارية وساذجة، لكن هوليوود كان لها موقفا آخرا، فقد حوّلتها إلى فيلم سينمائي عام 1968 من إخراج فرونكلين تشافنر، وبطولة شارلوت هيستون ورودي ماكدوال. ثم توالت سلسلة من الأفلام، وآخرها وهو الرقم عشرة: ( كوكب القردة: المواجهة) الذي خرج إلى صالات العرض في 30 جويلية 2014، من إخراج مات ريفيس.

طبعا، لن أتعرّض إلى كل السلسلة، فهذا لا يتسع له المجال هنا، بل ما يهمني هو الفيلم الذي صدر عام 2011: «كوكب القردة: الأصول»، والذي جاء – كما قلت سابقا – متزامنا مع أحداث ما سمي بالثورات العربية، التي أرادت إسقاط رأس الديكتاتور، ووضع حدّ لمرحلة طويلة من القمع البوليسي ومن الظلم الاجتماعي.

إسقاطات غير بريئة

من فيلم كوكب القردة، الأصول

لقد جاء الفيلم في توقيت قد يثير الكثير من التساؤلات، أوّلها: هل هو تزامن صدفوي؟ قد يكون الأمر كذلك، لكن الذي يشاهد الفيلم، سينتبه إلى وجود إسقاطات غير بريئة على ما يقع في المجتمعات العربية، كما أن آليات الإسقاط على أحداث تاريخية طارئة ليست غريبة على هوليوود التي عوّدتنا على مسايرة الأحداث التاريخية الكبرى، أي أننا هنا بصدد قراءة رسالة مشفّرة بثّتها هذه المؤسسة الصناعية الثقافية الكبرى للرأي العام، حول الربيع العربي، من خلال اللجوء إلى رواية كُتبت صدرت عام 1963، لتبني عليها قصة عن ربيع من نوع آخر هو «ربيع القردة».

شخصيا، بدت لي الأمور واضحة جدًا، لكن ما تعجبتُ منه أنّ الفيلم أثناء صدوره وخروجه إلى صالات السينما، ثم توفّره على شكل أقراص دي.في. دي لم يثر أية ردة فعل، بل مرّ مرورا عاديا. هنا قد نتساءل عن السّبب: هل لأنّ الفيلم لا يتعرّض فعلا إلى الربيع العربي وبذلك فإنّ قراءتي مجرد اِجتهاد تأويلي فقط، قد يكون قمعيا إلى حد ما؟ أم أنّنا لم نعد نفهم في السينما أكثر من كونها فن ترفيهي فقط؟

أرجح التصور الثاني، لعدة أسباب، منها: أن العرب والمسلمين يتجاوبون تحديدا مع الأفلام التسجيلية التي تصوّر حياة العرب والمسلمين بشكل مباشر دون اللجوء إلى اِستعارات رمزية، وقد يتذكر الجميع، الفيلم المسيء للرسول (ص) والذي مثل على شكل شخصية مهوسة بالجنس، أو الرسومات الكاريكاتورية التي عكفت جرائد كثيرة على نشرها مثل (لو كانارأونشني) أو (شارلي ايبدو). أما إذا تعلّق الأمر بأعمال غارقة في الرمزية والإيحائية فهي في الأغلب لا تثير الإنتباه، وتمرّ مرورا سريعا كأنّ ملكة تفكيك الشفرات الرمزية معطّلة في وعي هذه الجماهير ونخبتها.

الداروينية الثقافية

ثمة متلازمة اليوم، بين صورة القرد ونظرية تشارلز داروين في التطور والانتخاب؛ فحضور«القردة»، في الفيلم يحيلنا مباشرة إلى هذه الفلسفة الداروينية في تفسير فكرة التطور والصراع داخل المجتمعات؛وبغض النظر عن فحوى هذه  النظرية التي حاولت تفسير أصل الإنسان بالعودة إلى علاقته القريبة بالقرد، فإنّ ما يهمنا هو تحوّل هذه النظرية إلى المجال الاجتماعي والثقافي، حيث صرنا اليوم مثلا نسمع عن الداروينية الاجتماعية وعن الداروينية الثقافية، حيث المجتمع والثقافة يقومان على فكرة الصراع لأجل البقاء (صراع الطبقات الاجتماعية، صراع المهن، صراع المنظومات والرموز الثقافية، صراع الأنواع الأدبية والتعبيرية، إلخ)

ويمكن من خلال التصورين أن نقرأ فيلم «كوكب القردة : الأصول»، باعتباره يحيي فكرة الداروينية من جديد، لكن في إطار انبعاث القردة من طورهم الحيواني إلى الطور الآدمي، ثم اِنقلابهم على الإنسان، واِحتلالهم لمدنه.

تدور قصة هذا الفيلم عن محاولة العالِم الشّاب ويل رودان الذي لعب دوره الممثل جيمس فرانكو، إيجاد دواء لمرض آلزهايمر الذي يعاني منه الملايين من البشر بمن فيهم والده، وقد اِستطاع أن يطوّر مضادًا، لكن قبل أن يجرّبه على الإنسان قام بتجريبه على عينات من قردة الشامبانزي، ليكتشف بعدها أنّ المضاد له تأثيرات جانبية على ذكاء تلك الحيوانات، حيث أصبحت أكثر قدرة على التّعامل مع الأشياء حولها على نحو مثير للاهتمام. ذات يوم تتعرض أنثى شامبانزي إلى ضرب مبرح من قبل حراس المختبر بعد أن حاولت حماية صغيرها، فتفارق الحياة بسبب الضرب الذي تعرّضت له، فيقرر الشاب رعاية القرد الصغير، ويطلق عليه اِسم «سيزار». الشّيء المختلف في هذا القرد أنه وهو جنين في بطن والدته تعرّض للمادة التي حقنت بها والدته، فصار ذكيًا بشكل ملفت.

يبدأ كل شيء يوم يكتشف سيزار القرد، بعد أن شبّ، المعاملات السيئة التي يتعرض لها أترابه من القردة، فقد أصبح بمفعول المادة الكيماوية قادرًا على التمييز بين الأفعال الخيّرة والأفعال السّيئة التي تؤذي القردة، فقرّر تحرير أبناء جلدته من الضيم الذي يعيشونه بأن أخضعهم جميعا للمادة الكيميائية، فصارت قادرة على التّفكيروالتمييز، ثم تبدأ المعركة الفاصلة ضد الإنسان عدوّه الطبيعي.

من الفيلم

ثمة مجموعة من العناصر الأساسية التي يمكن اِستخلاصها من قصة الفيلم؛ منها: أنّ اِنتقال القرد إلى طور التفكير الآدمي جاء بعد عمليات مخبرية أجراها عليه الإنسان.

يمكن أن نلاحظ أيضا سلطة الإنسان وقوته على تغيير نظام الطبيعة، بعد أن نقل القردة إلى مرحلة غير طبيعية (الثقافة)، حيث أصبحت بفضل الدواء المضاد لمرض بشري قادرة على التفكير، وبذلك وهذا هو الأهم قادرة على المبادرة والفعل.

من جهة أخرى، فإنّ فعل الثورة على الإنسان لم يتم إلاّ بتواطئ خفي أو غير مقصود من الإنسان نفسه، أوّلا، بسبب الدواء وثانيا بسبب المعاملات السيئة، ثم يجب أن نلاحظ أنّ ثورة القردة على البشر تحققت لما بدأت هذه الحيوانات تدرك مفهوم القيمة: قيمة الحرية، الكرامة، نبذ العنف، العبودية، وفوق ذلك حين أصبحت قادرة على التحدث أي على إنتاج المعنى وتحقيق التواصل العاقل.

المنظور الدارويني في الفيلم واضح جدًا، وهو في هذه الحالة يتجاوز فكرة التطور إلى فكرة التحوّل، تحول القرد من كائن غير عاقل، خاضع، صامت إلى كائن عاقل، ومتحرّر، وقادر على التكلّم، وبذلك بروز مركز سلطة جديد يريد أن ينقلب على المركز التقليدي للإنسان.

نجد في هذا الفيلم الكثير من القرائن التي تكشف بما لا يطاله الشّك العلاقة الخفية بين أحداثه وما وقع في بعض المجتمعات العربية، فكل شيء بدأ من لحظة تلقيح القردة بمادة كيميائية هي في الأصل دواء مضاد للآلزهايمر، وهو ما يمكن أن نقابله بفكرة الديموقراطية التي لقّحت بها أحلام الشعوب العربية فكانت من بين الأسباب التي أدت إلى ذلك الحراك العنيف.

يمكن أن نفهم الديكتاتورية بأنها مرض حضاري واِجتماعي وسياسي يتسبب بالآلزهايمر اِجتماعي وسياسي شامل شلّ حركة المجتمعات العربية، وحوّلت شعوبها إلى كائنات بلا عقل وبلا شرعية، وبذلك تولّدت الرّغبة في البحث عن مضاد لهذا النظام، فكانت الديموقراطية بمثابة المضاد الحيوي ضد الطغمة الحاكمة، لأجل تحرير الإنسان العربي من عضاله التاريخي.

لكن، أليس الحلم الشعبي العربي بالديموقراطية هو الذي فتح أبواب الجحيم على الجميع، حتى أنّ الغرب نفسه أكبر مسوّق لفكرة الديموقراطية قد راعه ما شاهده، خاصة مع صعود الحركات الإسلامية الأصولية وما تشكله من تحدّ حقيقي للغرب نفسه؟ هل هي الآثار الجانبية غير المرغوب فيها لأي ثورة ذات طبيعة ديموقراطية؟ هل هو ثمن الإنتقال التّاريخي من طور العجز المرضي إلى طور الأخذ بزمام الأمور؟

يصعب تحديد ذلك، لكن الواقع يكشف كيف أن الثورات العربية حولت الواقع العربي إلى مأساة حقيقية، كشفت عن أنّ الإنسان العربي لم يتخلص من كبته التاريخي العنيف، بل لم يقدر يوما على أن يصالح ذاته، لأنّ المرور إلى الديموقراطية يبدأ أوّلا من المصالحة مع الذات والانسجام معها. ما حدث ليس تطورا نحو الديموقراطية وبناء مدنيات معاصرة تحترم حقوق الإنسان وتحتكم إلى العدالة الاجتماعية، بل نكوص نحو الخلف، وتفجير لخزان الكبت الجمعي، واِحتكام إلى غريزة الموت التي أعطت للعنف كل مسوغات حضوره المهين والمبرر لدى الكثيرين.

هل هي اِنحرافات ضرورية قبل أن يرسو جود الثورة في شواطئ الأمان أم هي حقيقة مُرّة، تقلقنا جميعا، وتبث فينا الخوف من المستقبل؟

يكشف الفيلم عن نهاية مرحلة كان فيها الإنسان هو المستحوذ على المركز، الذي يخوّل له أن يمارس كل سلطته على الطبيعة، لكن ثورة القردة هددت هذا العرش، وفتحتت الطريق أمام عودة العنف في شكله البدائي، وهو ما تجسده الحركات المتطرفة التي أصبحت تجد في مناخ الفوضى البيئة المناسبة للنمو والانتشار وممارسة الجريمة باسم الثورة على الظلم، والبحث في بدائل جديدة لصناعة وجود عربي جديد.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.