الأحد، 16 يونيو 2019

زاهو: أحلامي تقود خطواتي

زاهو

الحديث عن موسيقى الأر.أن.بي، في الجزائر، ينطلق من الحديث عن المغنية زاهو، تلك الشّابة الملتهبة بروح النجاح، والتي جعلت من المحلية قالبًا لها للوصول إلى قلوب آلاف المستمعين من خلف الحدود.

يعتقد الصّحافي الفرنسي أوليفيه كاشين، أحد أهم المختصين في الطّبوع الموسيقية الحديثة، أن العام 2008 شهد اِكتمال معالم وخصوصيات زاهو، مستنبطا حكمه من التّطور السّريع الذي حققته المغنية ذاتها، خلال الأعوام الخمسة التي سبقت، حيث اِنتقلت من عازفة قيثارة هاوية الى أيقونة موسيقية جديدة، تمكنت من إقناع أسماء غنائية ذات سمعة عالمية، على غرار الشّاب مامي، إيدير، تينيزيانو، سوبرانو وغيرهم.

وُلدت زاهو (اِسمها الحقيقي زهيرة درعبيد) في 10 ماي 1980، بالجزائر العاصمة (في مستشفى مصطفى باشا تحديدًا)، وسط عائلة مُثقّفة (أم، أستاذة جامعية وأبّ، موظّف في سلك الدبلوماسية). بالنّظر إلى الحقبة التي ولدت فيها، مع بداية الثمانينيات، التي شكّلت نقطة التّحول في الأغنية الجزائرية عمومًا، مع الثورة التي أحدثتها موسيقى الراي وما تبعها من اِهتمام إعلامي ساهم في التّرويج لها عالميًا، كان من الطّبيعي إلتماس توّجه الصّغيرة زهيرة، على غرار جلّ بنات جيلها، إلى ضفّة الرّاي، هذه الموسيقى التي آثرت فيها، حيث تقول: «في طفولتي، كنت استمع كثيرًا للشّاب خالد..أغاني ديدي و الشابة وبختة صنعت جزء من سذاجتي الطفوليّة». لكن، بحكم التّوجه الذّهني الصّارم لوالديها، وجدت زهيرة نفسها مُتّجهة لاإراديا إلى تعلّم الموسيقى الكلاسيكية، حيث قام والدها، بداية التّسعينيات، بضمّها إلى ورشة موسيقية، كانت تتبع إدارة المتحف الوطني للفنون الجميلة، هناك أخذت في تعلّم أسس ومبادئ العزف على القيثارة.

زاهو برفقة إيدير

في سنّ العاشرة، بينما كانت ما تزال تلميذة في المدرسة الابتدائية، كانت زاهو تحفظ عن ظهر القلب بعضًا من أغاني الفرنسي فرانسيس كابريل العاطفية، تردّدها باستمرار، كما تعشق الاستماع إلى تريسي شابمين. حول هذه النقطة، تتحدث قائلة: «صحيح أنني، في البدايات، أظهرت حساسية تجاه الموسيقى الفرنسية الكلاسيكية، لكنني كنت أشعر دائما بنوع من التّغرُب. شعرت أنني لا أتواصل جيدًا مع رفيقاتي. شعرت إلى حد ما أنني كنت لا أواكب راهني». مع مطلع النّصف الثاني من سنوات التسعينيات، بينما كان البلد يغرق في فوضى أمنية، وكادت الجزائر العاصمة أن تتحوّل إلى حصن جديد للاسلاموية العمياء، لم تتوان الصغيرة زهيرة في إظهار إعجابها بموسيقى الراب، مُعبرة عن كثير من التّآثر بالفرقتين الفرنسيتين IAM و NTM. بحسب المعطيات الشّحيحة المتوافرة ، فإن زهيرة تُعد من أولى مغنيات الراب في الجزائر، فقد قامت بتأليف عديد أغاني الراب، أدتها بمعية بعض صديقاتها في الثانوية بباب الزوار. يعكس هذا التوجه المُبكر إلى الراب جزء من طبيعة شخصية الشّابة زهيرة التي تفصح عنها في أغنية «مساري»: «كنت أهيم دائما في الحيّ و ألعب كرة القدم مثل الذّكور»، كما يذكر أحد جيران المغنية، الذي عرفها عن قرب، بأنه في سنوات مراهقتها،  كانت زهيرة ذات شعر قصير جدًا(على عكس هيئتها اليوم)، تمارس لعبة «الزربوط» الشعبية، تركض و تتشاجر مع الذكور، غير مبالية بنظرة الآخرين الذين طالما نعتوها بوصف «عيشة راجل». بحسب زاهو: «لم تكن هذه السّلوكيات شاذّة بالنسبة لفتاة اِعتنقت الراب كفاتحة لمسارها الموسيقي». مع ذلك، رغم كل حماقاتها، كانت زهيرة تلميذة متفوّقة، حيث اِستطاعت اِجتياز إمتحان البكالوريا في سنّ الثّامنة عشر، لتتوجّه شهر سبتمبر 1998 إلى المعهد الوطني للإعلام الآلي، بوادي السّمار، قبل أن يقرّر والداها، صائفة 1999، الهجرة الاختيارية إلى مونتريال، وهاجرت بمعية أهلها(والداها، أختها وأخوها)، وهناك اِلتحقت بجامعة مونتريال، ونالت عام 2004 شهادة مهندس في الاعلام الالي، لتتفرّغ بعدها إلى العمل الموسيقي، من خلال المزج بين عديد الأنماط المعروفة، الرّاب، الأر.أن.بي، البوب، و بدرجة أقلّ البلوز.

اِستقر مطاف زاهو عند محطة الأر.أن.بي، إلا أنها تحاول، من حين لآخر، إقناع المتلقي بأنها ليست من النّوع الذي يرضى بنمط موسيقي واحد، حيث تُصرح في هذا السّياق:«أنا لا أنضم إلى هذا النوع من التّصنيفات التعسفية والآنية. أنا أعزف، أرقص، أغني وأؤدي عديد الأنماط الموسيقية. أشعر بأن هذا المزيج يمنحني حرية أكبر من البقاء رهينة نمط واحد»،  قبل أن تضيف: «كنت في صغري متأثرة نوعًا ما بالموسيقى الفرنسية الكلاسيكية، بفرانسيس كابريل خصوصا، لكنها، في النهاية، لم تكن سوى أغانٍ اِستمعت إليها وليست أغانٍ ألّفتها. توجّهت لاحقا إلى الأر.أن.بي رغبة مني في البحث والتأكيد على بصمتي الخاصة».

الصّناعة رجالية.. والنجومية نسائية

زاهو برفقة ياسمينة خضرا

أهم التناقضات التي تميّز موسيقى الأر.أن. بي هي كونها برزت و تطوّرت على  يد مبدعين رجال، لكن أهم نجوم هذا النّمط الموسيقي هنّ نساء. ظهر الأر.أن.بي في النّصف الثاني من التسعينيات، متفرعا عن موسيقى الراب، مع إدراج كثير من الإضافات. تعود الجذور الحقيقية إلى هذا النوع الغنائي إلى تأصل روح التجريب عند مغني الراب الذين كانوا يقومون، أثناء تأدية الأغاني، بطلب مساعدة مغنيين آخرين (ثانويين) لأداء اللوازم الموسيقية (refrain)، هذا ما أدى لاحقًا إلى إنفصال هؤلاء المغنين «الثانويين» عن مغني الراب وشروعهم في تجسيد تجارب فردية لهم. لكن التّطور الحقيقي للأر.أن.بي لم يتأتى سوى نهاية التسعينيات، مع وصول خصوصا بعض نجوم موسيقى البوب الأمريكية، على غرار مادونا، جينيفر لوبيز، ماريا كاريه، ناتاشا، ريهانا و غيرهن، واللواتي ساهمن في مسعى صهر البوب في الأر.أن.بي و كسب إقبال جماهيري واِهتمام إعلامي واسعيين. بعد بداية الألفية الجديدة، وجدت موسيقى الأر.أن. بي (في وقت وجيز نسبيا) نفسها في الواجهة، حيث لاقت تجاوبًا كبيرًا، مُفندة ما تذهب إليه بعض الأطراف الإعلامية التي تروّج إلى أطروحة أن هذا النوع الموسيقي يختصّ بمخاطبة فئة الشّباب والمراهقين لا أكثر. وسط هذه الحالة من التّمازج الفنّي، برز، منذ قرابة العشر سنوات، صوت المغنية الجزائرية زاهو، من خلال تأدية مقطوعات ثنائية بمعية أسماء راقيّة، مثل إيدير (كل هذا الوقت)، الشّاب مامي (ياليلي)، مغني الرّاب الفرنسي كمال لانسيان (حين يرحلون)، وغيرهم، ثم إصدار ألبومها الأول «ديما»(2008)، ثم الألبوم الثاني «مُعديّة»(2012).

حب، قلق، حنين وانكسار

يمكن تقسيم موضوعات أغاني ألبوم «ديما» الخمسة عشر الى أربع موضوعات أساسية: الحبّ، القلق، الحنين والانكسار، حيث نلاحظ بأن زاهو (مع العلم أنها نفسها من يكتب نصوص الأغاني) حاولت تنويع موضوعاتها، مع الحفاظ على طابع موسيقي يكاد يكون موحدًا، بالإضافة إلى محاولتها توظيف اللّغتين الفرنسية والعربية، بغية مُخاطبة شريحة أوسع من المتلقين.

غلاف ألبوم ديما

تشترك كل من أغنيتي  «ديما» (التي أدتها بأسلوبين مختلفتين) و«قاتلة» ضمن الرّغبة في التعبير عن مشاعر حبّ مستحيل، حيث تذكر في الأغنية الأولى: «لن أنساك مهما اِبتعدت عنك/ أينما حللت أتذكر صورتك/ كما لوأنك/ بجانبي دوما/ أفكر فيك في كل لحظة/ (…) ديما..ديما/ حتان فاتو الشهور وليام/ لو كان ولو كان جات الدّنيا صغيرة/ تجمعنا في ليلة/ (…). وتذكر في الأغنية الثانية: «لست أدري لماذا/ نصبت حواجز تفصلنا/ لتمنع بلوغ نقطة اللاعودة/ (…) لم أعد أستطيع تأويل الكلام/ تدرك جيدًا بأن صمتك يقتلني/ تُحادثني كالمومياء/ (…) رغم أن الزمان قاس اِبق وافيًا/ صارت حياتنا المشتركة خيبة/ كل يوم يمرّ يزيدنا ألما/ (…).

توظف زاهو، عبر كلمات أغانيها، كثيرًا من الفلسفة، سعيًا منها إلى التّنقيب عن معانٍ ذات إيقاع وعمق، هذا ما نلاحظه في أغنية «العجلة تدور» التي قامت بأدائها برفقة تينيزيانو (عضو سابق في فرقة سنيبر الشّهيرة)، حيث تقول: «لا يجب أن تلهث للكسب/ لأنه عاجلا أم آجلا/ ستدور الأيام/ و لن ينفعك اللّجوء إلى الفرار/ أرجلي على الأرض/ و أحلامي تقود خطواتي/ تمتلكني رغبة في التّحليق/  فوق همومي/ الحياة هي من يهبنا/ أقدارنا/ لا أهتم بما يحصل لي/ لا يهمني/ ما يقول النّاس حولي/ (…). وتكشف أغنية «هذا مشبوه» عن بعض ملامح المرأة القلقة والمتمردة في شخصية زاهو، حيث تقول مخاطبة خليلها (الذي اِعتقدت خطأ بأنه يخونها): «لن أقبل أن تأتيك/ لحظة غيابي/ لن أقبل أن تجلس على ردائي/ و ترتدي ألبستي/ لن أقبل برؤيتك تترقب عودتي حذرا/ (…) أخبرني/ ماذا أعطتك أكثر مني/ ماذا تملك أكثر مني/ (…). أما في أغنية FTT (اِمرأة صالحة لكل الأرضيات) فتعبّر زاهو عن صوت كل النساء و تدعوهن إلى الاتحاد والتّعبيرعن ذواتهن: «هي آوانسي وساداتي!/ أنا زاهو/ البنت التي تقف خلف الميكروفون/ مبرزة مخالبها وأنيابها/ (…) هي أيتها النساء والآنسات/ لم تعدّ هنالك طابوهات/ (…).

في الألبوم نفسه، تتقاطع كل من أغنيتي «كيف ندير» و«مساري» في مسعى التّعبير عن حنين و تعلّق المغنية بمسقط رأسها الجزائر، هذا البلد الذي يسكنها والذي يوم سُئلت عن مستقبلها فيه في حال ما لم تهاجر إلى كندا، أجابت بعفوية: «لو بقيت في الجزائر، لم أكن لأنتهج مسار الموسيقى، أنا، بكل بساطة، أدرك خصوصية البلد التي تمنع هذا الخيار، كما أنني لم لست متأكدة من فرضية العيش فقط من عائدات الإنخراط ضمن هذا المسعى. لذا، لو بقيت في الجزائر لانصرفت إلى سوق العمل ولما فكرت في شيء آخر غير ذلك».

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.