السبت، 24 أغسطس 2019

قهوة الزهو

سعيد خطيبي

مرة أخرى، نحتفل بعيد المرأة، نرأف بحالها قليلاً، نهديها وردًا وأغنيات قديمة للشّاب يزيد، نتظاهر أمامها باللّطف، نرسل لها ميساجات عذبة على الفايسبوك وعلى الموبايل، ثم نعيدها، في اليوم الموالي، إلى صندوق القهر، ونُذكّرها بأنها خُلقت من ضلع أعوج، وأخرجت البشر من الجنّة، وأغوت أنبياء، وهدّمت أُممًا..هكذا هي سيرة الثّامن مارس، من كلّ عام، في الجزائر.

بدايات القرن الماضي، كانت المرأة حينما تريد التّعريف بقضية ما، وإبلاغ النّاس بمسألة تخصّها أوتخصّ نسوة مثلها، تذهب إلى ما كان يسمى « قهوة الزهو »، مقهى يزدحم بالغاويات والعاهرات والعاشقات الفاشلات، يرتاده قوّادون، وأصحاب علاقات عاطفية هشّة، تذهب هناك وترقص بما أوتيت من خبرة وغنج، حتى تُتعب نظيراتها، وتزيحهن من منافستها، وتكسب لوحدها الفرنكات والنظرات، حينها فقط تتوقّف عن هزّ بطنها وتشرع في خطبتها، والحديث عن قضيتها، سواء كانت قضية تعرضها لظلم ما، أو دفاعًا عن واحدة من خليلاتها، أو ما شابه ذلك. اليوم، قهوة الزهو اِختفت، ونابت عنها أماكن أخرى تقوم بالمهمة نفسها، فبعض التنظيمات النسوية، التي تتوالد مثل الطفيليات، ليست تختلف عن قهوة الزهو في شيء، فقد صارت المرأة عدوًا للمرأة، تدعي نصرتها من جهة، ومن جهة أخرى تغازل نظامًا هجينًا، من ذكوريين وإسلامويين، ترقص له في مقاهيه، لتشكو له حالها، دونما ممانعة من أن يزيد في سحقها والتّضييق على حرياتها الشّخصية.

لما نشاهد بعض التنظيمات، التي ترفع شعارات المساواة والعدل واللّطف بالجنس النّاعم، نشعر كما لو أن الزّمن لم يتقدّم خطوة واحدة، وأننا لم نخرج من حقبة الحزب الواحد، تنظيمات تتبنى نبرة الخطاب نفسها، والتي استهلكت منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لما أسمعهن يتحدثن/ يرقصن، أشكّ في أنهنّ يتحدثن عن اِمرأة جزائرية، اِمرأة رضعت من ثدي دولة مدنية، فالخطاب النّسوي السّائد، والذي يدعمه النّظام بحدّة، هو خطاب تنويمي، في العمق، يقترب من الرّومانسية أكثر منه إلى الواقعية، يجعل من عقل المرأة وعاء لتطوير منطقي الولاء والطّاعة للحاكم، خطاب يستخف بالعقل الإنساني، ويريد منه أن يكون مُلتقطًا للكلمات، خاضعا لها، لا ناقدًا لها.

هذه التنظيمات، التي يستفيد جزء منها، من دعم سخيّ من الخزينة العمومية، لسانها ما يزال متلعثمًا، فقد عجزت، منذ نشأتها، على طرح الأسئلة الحرجة، وغضت الطّرف عن القضايا التي تهمّ المرأة بالدرجة الأولى، فالمرأة الجزائرية تريد حقوقًا مثل تلك التي تتمتع بها نظيرات لها، على الطّرف الشّمالي من المتوسط، على بعد ساعة فقط منها، تريد أن تصير امرأة جديدة، مُتحررة من سلطتي الذكورية و الميتافزيقية، تفكّر في حقّها في الإجهاض، حقّها في الإنجاب دونما اِشتراط عقد ورقي، حقّها في ممارسة حياتها دونما حاجة إلى موافقة وليّ، هي بحاجة إلى أن ينظر إليها كإنسان مُكتمل، لا شبه إنسان، أن لا ينظر إليها دائما كجسد مفصول عن العقل، فما حدث، في الأيام الماضية، في البرلمان، على هامش التّصويت على قانون يحمي المرأة من التّحرش، ليس سوى مهزلة جديدة تُحسب للمجلس الشّعبي الوطني، فحماية المرأة من التحرش ليس من وظائف السلطة التشريعية، بل من وظائف التربية الوطنية، والشّاب المُتحرّش، إنما هو ضحية كبت عميق ينخر جسد المجتمع، هو لم يتعوّد على رؤية فتاة تتزيّن لنفسها، فلو تربى على الحرية، وعلى الحقّ في أن يمارس هو أيضا حريته الذّاتية دونما عوائق، لما وصل البرلمان إلى القاع، وتجنّب الدّخول في نقاشات عقيمة!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.