الخميس، 18 يوليو 2019

نجل الفقير صار فيلسوفا

بيار رابحي

ولد بيار رابحي عام 1938 في القنادسة (بشار)، التي هي أيضا مسقط رأس كل من الروائي ياسمينة خضرا والروائية مليكة مُقدم.

كان والده رجلاً فقيرًا، مارس مهنة الحدادة، لكسب قوت عائلته، وكانت القنادسة بلدته، والتي تقع على بعد حوالي 20 كلم، غربي بشار، تشتهر بمنجم كبير للفحم الحجري، يأتيه العمال من جميع أنحاء العالم، علمًا أن الفحم كان يُشكّل خلال تلك الفترة، من بدايات القرن الماضي، المادة الأساسية لإنتاج الطاقة، وهكذا بدت القنادسة على صغر مساحتها، بلدة كوسموبوليتية بامتياز، يقطنها سكان من جنسيات أوروبية وأفريقية مختلفة، واِستنادًا إلى بعض الوثائق والكتابات التي دوّنها صحفيون أجانب عن تاريخ المنجم، فقد بلغ عدد سكان البلدة نفسها عام  1946 نحو 14000 نسمة، من بينهم 1500 معمّر أوروبي.

وكانت القنادسة تُصدّر الفحم بكميات كبيرة نحو أوروبا بواسطة السّكك الحديدية، مرورًا بالمغرب، إلا انه ومع مطلع الثورة التحريرية(1954)، عرف إنتاج الفحم تدهورًا كبيرًا بسبب هجرة الكثير من العمال، في الفترة الممتدة ما بين 1959 – 1960 حيث تم تقليص اِستخراج الفحم فقط  للمركز الكهربائي ببشار الجديد، حيث كانت المنطقة الأولى على المستوى الإفريقي في اِستغلال الطاقة الكهربائية. في 1975، تقلَّص عدد العمال من 3000 إلى 300 عامل، بعد إحالة عدد منهم على التّقاعد، ليتوقف اِستخراج الفحم نهائيًا بعد سنة 1975.

من هذا المنطلق، وبفضل التّعدد الثّقافي واللّغوي الذي كانت تشهده القنادسة آنذاك، يكمن ربما سرّ تفوّق أهل البلدة واِنجابها أسماء فنيّة وأدبية ذات شهرة عالمية : ياسمينة خضرا، مليكة مقدم ، بيار رابحي.. فقد أقامت فيها الكاتبة ايزابيل إيبرهارد مدّة من الزّمن، كما اِشتهرت القنادسة بفرق موسيقية في مختلف الطبوع الغنائية: القناوي، المغربي، الشّعبي، أشهرها وطنيا فرقتي «الفردة» و«السّد».

أمام ضيق ذات اليد وبعد وفاة أمه، تعهّد الوالد بتربية الصّغير رابح رابحي (الذي سيصير بيار رابحي) إلى زوج أوروبي، وهو لم يبلغ بعد الخامسة من عمره، فوالده لم يكن يستطع تحمل تكاليف تنشئته وتعليمه، وهكذا حصل الطّفل على تعليم فرنسي، وتمت تربيته تربية مسيحية، وتم اِختيار بيارPierre  اِسما له.

من القنادسة اِنتقلت العائلة الأوروبية رفقة اِبنها بالتبني إلى وهران، ليرتحلوا بعدها للاستقرار في فرنسا.

شهرة عالمية

يطلقون على بيار رابحي في فرنسا، نظير إنجازاته العلمية في ميادين البيئة والزراعة والفكر، أوصافا عدّة، قلما تجتمع في شخص واحد: فهو الفيلسوف، الخبير الدولي، المزارع، المخترع، الكاتب والمفكر.

أطلق اِسم الرّجل على واحد من الشوارع الفرنسية – وهو لا يزال على قيد الحياة – ولعله أمر نادر الحدوث في فرنسا، كما أطلق اِسمه على إحدى الحدائق الفرنسية التي أقام بها تجارب زراعية، باعتباره واحدًا من رواد الزّراعة العضوية، فهو صاحب نظرية «واحة في جميع الأماكن» (Oasis en tous lieux).

في سنة 1981 أشرف رابحي على تنظيم أول برنامج في الزراعة الإيكولوجية Agroécologie ، بوصفه بديلا حقيقيًا لتخفيف معاناة الفلاحين، في محاولة التّصدي لحالات الرّكود الإيكولوجية والاقتصادية، متمثلة في مشكلة الجفاف، إلى جانب اِرتفاع تكلفة الأسمدة والمبيدات، وهكذا أسّس بالتّعاون مع رابطة «مولهاوس» المركز الأفريقي الأول للتدريب في إيكولوجيا الزّراعة.

وفي 1988، تمّ الاعترف ببيار رابحي بوصفه خبيرًا دوليًا في مجال الأمن الغذائي ومكافحة التّصحر، في الأمم المتحدة، وقد أصبح يشارك بخبراته في البلدان الأفريقية التي تعرف شحًا في مواردها الفلاحية، في محاولة منه لمساعدة شعوبها على تأمين غذائها، وسرعان ما طُبقت مفاهيمه في مجالي الزراعة البيولوجية والإيكولوجية، في مجموعة من البلدان  منها مالي، النيجر وبوركينا فاسو.

كما شارك رابحي وبمبادرة منه في صياغة اِتفاقية الأمم المتحدة في مواجهة التّصحر، وأسّس حركة الأرض والإنسانية  Mouvement pour la Terre et l’Humanisme ، وهي حركة تضمّ فروعا لها في مدن فرنسية، وفي مختلف البلدان الأوروبية.

محاضرات تحظى بإقبال كثيف

بيار رابحي دائم الحضور في مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية الفرنسية، كما تعرف محاضراته وندواته إقبالا منقطع النّظير في مختلف المدن الفرنسية وبعض البلدان الفرانكفونية، للاستفادة من خبراته في ميداني الزراعة والبيئة، والاستمتاع بما تجود به قريحته من علم ومعرفة وطرح وأفكار، ليس في مجال البيئة والزراعة فحسب، بل في مختلف مجالات الحياة، إضافة الى ما يتسم به من خفّة روح ومرح من خلال الحكايات الطريفة والنّكت الهادفة التي تتخلل اِرتجاله للمحاضرات التي يلقيها، ولعل ذلك ما بات يثير إعجاب ودهشة الفرنسيين وإقبالهم الكثيف لحضور نشاطاته العلمية، علاوة على نشاطه الدؤوب على مستوى مختلف شبكات التواصل الاجتماعي.

غلاف واحد من كتب رابحي

إلى جانب أن الفرنسيين يحبّون فيه تواضعه الشّديد، وهو ما يتجلى من خلال بساطة ملابسه، وسعيه إلى أعمال الخير ومحبته للناس. وهو عادة ما يرتدي قميصا بسيطا، وقبعة من جريد النخيل كما يفعل الفلاح في الجنوب الجزائري، وينتعل نعالا بسيطة، حتى وهو يجيب بتواضعه على أسئلة مقدمة الأخبار في أستوديو القناة الفرنسية الثانية، أو في البرنامج الأدبي الشهير «المكتبة الكبيرة»، على القناة الفرنسية الخامسة، جنبا إلى جنب مع صاحب جائزة نوبل للآداب، الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لولكليزيو.

وقد أًعدّت نظير منزلته العلمية التي أصبح يتقلّدها، عدة برامج إذاعية وتلفزيونية، تناولت جوانبًا من سيرة حياته وإنجازاته العديدة، بينها البرنامج الوثائقي الذي أنتجته القناة الفرنسية الخامسة بعنوان «باسم الأرض»  (Au nom de la terre)، والذي يتناول بعضا من سيرة حياته وحصيلته العلمية.

بيار رابحي، نجل الفقير، اِبن القنادسة، بات مرشحًا أكثر من أي وقت مضى لنيل جائزة نوبل للسّلام، نظير ما فعله في خدمة الإنسانية، وهو للأسف شأنه شأن العديد من الكفاءات في مختلف مجالات العلم والمعرفة، شخص غير مرغوب فيه في الجزائر، لسبب أو لآخر، من خلال الامتناع عمدًا عن دعوته للمشاركة في الندوات والملتقيات التي تهتم بعالمي البيئة والزراعة، والتي تعتبر من صميم اِختصاصه، رغم أنه و باعتراف هيئة الأمم المتحدة، يعتبر من بين كبار الخبراء الدّوليين في مجال البيئة والفلاحة، إن لم يكن أهمهم جميعا.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.