الخميس، 18 يوليو 2019

عشيق شهرزاد المتردد

جمال الدين بن الشيخ

هل من المُهم أن نتحدث عن شاعر، أم نقرأ شعرًا له؟ هل سننصف جمال الدّين بن الشّيخ (1930-2005)، لو تحدّثنا عنه، في بضع دقائق؟ سننصف شيئًا من ذاكرة الرّجل، الرّجل – القصيدة، القادم من الخلاء، صاحب الكلام الصّاعد إلى السّماء، لكن لن نلمّ بكل جوانب التّجربة، الأدبيّة والمعرفيّة، التي لم تقتصر على كتابة بلغة واحدة، هي الفرنسيّة، بل أيضا في التّجريب بالعربية، والعاميّة، والتّرجمة من وإلى العربيّة، فروح الشّاعر لديه ألغت الحدود بين اللّغتين، وجعلتا منه واحدًا من أبرز شعراء جيل السّبعينيات، من القرن الماضي.

عادة ما يُختصر جمال الدّين بن الشّيخ، في مشروعه الأهم، وهو ترجمة «ألف ليلة وليلة» إلى الفرنسية، التي أتمّها برفقة شقيقه التّوهامي، والمؤرخ المُستعرب آندري ميكال، وهي أول ترجمة مُكتملة لألف ليلة و ليلة، اِنطلاقًا من الطّبعة الأصليّة للكتاب، التي صدرت عام 1835. ترجمة جمال الدّين بن الشّيخ لحكايات شهرزاد، عام 1991، صدرت في ثلاثة مُجلدات، وأعادت المُصالحة بين أٌفقين قريبين ومُتباعدين، أعادت ترقيع نظرة المُثقف الغربي الاختزالية للشّرق، فلعقود طويلة، لم يكن الغربي يُنظر إلى الشّرق سوى من منظار كولونيالي، ومن أعين مُثقفين غربيين مثله، لا يفهمون لغة الشّرق و أحاسيسه سوى قليلاً، وهذا ما طوّر المفهومات الاستشراقية، التي قامت بالأساس على سوء فهم بين الطّرفين، ولا يعني هذا أنها اِختفت اليوم، لكنها صارت أقلّ حدّة مما كانت عليه بداية القرن الماضي.

ولكن، قبل الوصول إلى ترجمة «ألف ليلة وليلة»، جمال الدّين بن الشّيخ هو، بالأساس، شاعر النّخب اليائسة من حالها، شاعر شعب ليس يُدرك ماذا يفعل، شاعر تاريخ عربي مُثخن بالصدمات، هو شاعر بدأ من القاع للوصول إلى السّطح، قارئ جاد وعميق لأبي نواس واِبن خلدون، وحافظ للقرآن، ومُلم بشعراء الكلاسيكية والرّومانسية الفرنسيتين، في القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر: لافونتان، فيكتور هيغو، لامارتين وغيرهم.

آندري ميكال وبن الشيخ

قد يتحدّث البعض، وبصوت عالٍ، عن قطيعة «مُفتعلة» بين المثقفين الجزائريين، النّاطقين باللّغة الفرنسية، ونظرائهم النّاطقين باللّغة العربية، وهي ملاحظة تختصّ بها الجزائر عن بقية دول الجوار المغاربي، التي عاشت سياقات تاريخية مُشابهة إلى حدّ ما مقارنة بما عرفته البلاد، وقدّ تعزّزت فكرة القطيعة بين الجانبين بسبب خطاب إعلامي غير مُحايّد، تجنّد سنوات الثّمانينيات، لتصنيف الكُتّاب بحسب لغة تعبيرهم، وهي تصنيفات لم يكن لها وجود سنوات السّبعينيات، وما قبلها. فقراءة رواية «وردة سوداء بلا عطر»(1998)، أو «بعيدًا عن المدينة المنوّرة» لآسيا جبّار، وهما روايتان صدرتا في فترتين مُتقاربتين، واِستثمرتا التّراث العربي الإسلامي، يدحض فرضية القطيعة بين مثقفي هاتين اللّغتين، هما روايتان أثبتتا وعيًا بالموروث العربي – الإسلامي المشترك، فقد عادت الروايتان إلى التّاريخ لإسقاطه على الحاضر، باستثمار الثّقافة التي شكلت وعيهما الأول، فقد بعثاها حيّة، بلغة أخرى، مانحين إياها بعدًا كونيًا، جرّداها من التّقديس ومن التّحريم، ويُحسب، في سياق مُقارب، لصاحب «ذاكرة الدّم»(1988) أنه كان مؤسسا لتخصّص«الأدب المُقارن»، في جامعة الجزائر، مباشرة بعد الاستقلال.

لقاءه بشاعر آخر مهم، هو جان سيناك(1926-1973)، سيكون مفصليًا، في نقله إلى الشّعر والكتابة الشّعرية، من هواية إلى التزام. بين سيناك وبن الشيخ تأسست صداقة، وتجربة شعرية، تغذّى فيها كل واحد منهما من معارف الآخر، ولما أٌغتيل جان سيناك(1973)، كتب عنه جمال الدّين بن الشّيخ واحدًا من أجمل نصوصه: «الرّجل القصيدة»، فهو مثل سيناك عرف المنفى داخل بلده، واِستمر منفاه حتى عام 1993، لما عاد إلى الجزائر بدعوة من جيلالي اليابس، لكن سريعا ما أغتيل هذا الأخير سنوات العشرية السّوداء، مما حتّم عليه العودة من حيث أتى، وواصل الكتابة من داخل مأساته الشّخصية، غير متصالح مع قلقه، بعيدًا عن بلد كان يمكن أن يكون قاعدة له لا ندًا وخصمًا، مشتغلا على همه الشّعري، ومواصلا محاولاته في تفكيك الخطاب الاستشرافي، والرّبط مجددًا بين الشرق والغرب.

هل كان سيكون جمال الدّين بن الشّيخ ما كان، ويصير له هذا الحضور البهي، بين ضفتي المتوسط، لولا الشّعر؟

غلاف ترجمة ألف ليلة وليلة

الشّعر – كتابة كان سببًا في تخلّيه عن دراسة الطّب، و الانتقال إلى دراسة الأدب، والشّعر – ملجأ من كدمات الواقع، كان سببًا في خوضه البحث ونقد الشّعر العربي ما قبل الإسلام، فقد اِستغرق طويلاً في دراسة الشّعر الجاهلي، قبل أن يستعيد توازنه ويعود إلى اللّحظة التي كان يعيشها، ويكتب نصّه الشّعري الأصلي، وهو نصّ مُغيّب، وُلد يتيمًا، لم يُقرأ بعد في الجزائر، فكتبه شبه مفقودة من المكتبات، العموميّة والخاصّة، ومؤسسات النّشر لم تهتم كثيرًا بإعادة نشرها. جمال الدّين بن الشّيخ يُعرف في المشرق العربي أكثر مما هو معروف في الجزائر، يُعرف في المغرب أكثر مما هو معروف في الجزائر، وذلك رغم أثره المهم في البلد، فقد نشر أول أنطولوجيا للشّعر الجزائري المكتوب بالفرنسيّة، بين عامي 1945و1965، وهو مرجع مُهم لدراسة الشّعر الجزائري، سينضم إليه هو أيضا بعد بضع سنوات من ذلك.

«أُخرجي من الرّمل أيّتها الوجوه المُحنطة! حانت لحظة التّعري من الأقنعة. تقدمي خطوة خطوة على أوراكك الأميرية للقاء ضيائنا. ابسطي زخارفك المُبيضة، أشرعتك المصبوغة بلون العاصفة، وتظاهري بالموت. تزحف مطاياك الخفية بثقة، الأبصار مُتجهة غربًا.

أيها الخلفاء الصّغار الذين سيقتلون قريبًا، لتُلف أجسادهم بسجاد، أيّها الوزراء ذوو النظرات الصّارمة، حفظة الأختام الذين تنحني لهم الأعناق، وأنتم الأمراء المرفقون بحرير النبؤة في الطريق إلى البازلت الدّاجي، أيّها الأمراء المتناثرون بين قرطبة وبغداد، الممسكون بصليب القدر براحة اليد، وأنتم قضاة القضاة، سادة سداد الرأي»، هكذا كتب جمال الدّين بن الشّيخ في «غنائيّة للجزائر»، في نصّ «هكذا تحدّثت شهرزاد »، وأضاف: «تقدمي يا ظلال المعجزات. واصلي صلواتك وضعي جبهتك على صمت الصوامع. دعي دمك يتغلغل إلى صلب مكة المُهددة. ذكرينا بأغانيك، حتى لو أننا لم نعد نؤمن بأن التّاريخ متمسك برخام القصور. دعينا نستلذ مرّة أخرى بدوار الطّفولة».

جمال الدّين بن الشّيخ ينحدر من الشّجرة نفسها التي جاء منها أبوليوس والقديس أوغستين وجان عمروش وبشير حاج علي وكاتب ياسين، شجرة أدبية باسقة، أنبتت، وماتزال تنبت طفرات في الشّعر الجزائري المكتوب بالفرنسية، على غرار آنا غريكي ونورالدين عبة ومالك حداد ومالك علولة، هذا الشّعر المُقاوم، من مقاومة الكولونيالية إلى مقاومة العبثية وتنصل الفرد من حقّه في العيش الكريم، حلقات ترتبط مع بعضها البعض وجدت في الوسط حلقة جمال الدّين بن الشّيخ، اِبن المنفى، صبي شفاف، يكتب حالات الفجر المختلفة، ولا يتكلم كثيرًا، بل يفضل أن يصمت مع الصّمت، ويكتب:«مدّوا شفاهكم قبل الغروب واتلوا بعض السّور. سيحين آنذاك موعد سفك دم عذراء وسيحين موعد صب الدّم على فخذيها. لم يسبق لكم سوى مجامعة الملائكة وتجهلون لذّة العاشقة الخالدة. أصغوا لمشايخكم العجاف كيف يدرّسون النّحو والقداسة بأصابعهم الرّملية حيث تنهمر ذاكرة تاريخ لا يفنى. ذكريات تتطلع لمستقبل آخر. أعرف مشايخا من مراكش لا يزالوا يلوّثون الآيات بلغة مُثخنة إرهاقا».

 

مقطع من كلمة، أُلقيت على هامش المهرجان الدّولي للشّعر العربي ببسكرة، الجزائر، فيفري 2015.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.