الخميس، 17 أكتوبر 2019

التحرش بالنسوان في البرلمان

التحرش بالفتيات لم يتوقف

كلما ارتفع سقف تطلّعات الشّعب، اِزداد البرلمان رداءة، وكلما تأزمت القضايا الدّاخلية، وضاقت الحلول، وجد البرلمان منفذًا لتضليل الرّأي العام بمسائل ثانوية، فيوم الثلاثاء 3 مارس، في ذكرى وفاة المناضل الكبير العربي بن مهيدي، وبينما كانت عين صالح تواجه قدرها بنفسها، تصاعدت أصوات النواب عاليًا، وتجادلت فيما بينها، تناقشت وتخاصمت حول قضية شغلت بالهم: هل يحقّ للمرأة الخروج إلى الشّارع بلباس سافر أم لا؟ هكذا أُختزلت اِهتمامات نواب الشّعب في السؤال عن أفخاذ النسوة و أردافهن ونهودهن، وهل يحقّ لهن الخروج مُتبهيات بأجسادهن، أم يجب عليهن ستر العورة!

كان يمكن لهذا النّقاش أن يحمل طابعا جديًا، ويصير قضية مجتمعاتية، لو طُرح في ظروف أخرى، أقل دراماتيكية مما تعرفه البلاد اليوم، لكن البرلمان، الذي تعوّد على طرح الأسئلة الحرجة، خارج سياقاتها، مع ابتذالها، وتسفيه أشكال التعاطي معها، كرّر نفسه صبيحة 3 مارس، ووجد في موضوع الحياء و«السّفور» في لباس الجزائريات غطاء جديدًا لحقن الرّاهن ببعض الخمول في التّفكير، وتحويل القضية من نقاش سوسيولوجي وثقافي إلى كتلة من الأحكام الدّينية المتسرعة، كما لو أن الجزائر تعيش بالقرب من الموصل، ومن مدن وقرى الدّولة الإسلامية.

ففي إطار مناقشة قانون العقوبات المعدل، للإقرار بالحماية القانونية للمرأة، وتكييفها مع إلتزمات الجزائر الدولية في هذا المجال، وبدل الخوض في الأمر من منظور القانون، شرع بعض نواب البرلمان في اِستعراض معارفهم الدّينية، والشعبوية أحيانا، لإخفاء ضعف تكوينهم في المسائل الحقوقية، واِنطلقت حمى التديّن المفرط من مداخلة نائب عن حزب الكرامة، وصف لباس بعض الفتيات بالخادش للحياء، وإعتبر المتحدث نفسه الفتاة المُتزيّنة ﺒ«المعتدية و المتحرشة» بالرّجل، ومن دون أن يلزم نفسه بمنطق، راح المتحدث نفسه يصنع من أفكار ذاتيّة «مُسلّمات»، ويخدش شرف الفتاة الجزائرية، فهو لم يستوعب نرجسية المرأة الطبيعية، والتي تتزيّن لنفسها وتتجمّل إرضاء لذاتها، و اِعتبر نرجسيتها خدشا للحياء، متناسيا أن اِنتخابات البرلمان الأخيرة كانت أكثر خدشا للحياء وللتّاريخ، بسبب عزوف نسبة كبيرة من المصوّتين عن الإدلاء بأصواتهم، بعدما فقدوا الثّقة فيمن يمثلهم في مبنى شارع زيغود يوسف.
ولم تتوقّف المسرحية الهزلية هنا، فقد وجد النّائب، المتأثر بمشاهد الفتيات الجميلات في الشّارع، وجد من يسانده من برلمانيين آخرين، غلبت عليهم التراكمات الدّينية فأعمت أبصارهم عن النّظر إلى الحال من منطلق سياسي براغماتي، وقال أحدهم أن لباس المرأة مسؤول بطريقة أو بأخرى عن تصرفات الشّباب بدافع الغريزة، فقد حوّل برلمانيون النقاش إلى مزرعة مفتوحة من الأحكام الذاتية، التي ترتبط بالأساس بحالة الكبت العميقة التي يعيشها المجتمع، ونزلوا بالجدل إلى أسفل سافلين، لولا تدخّل واحدة من النائبات التي اِعتبرت هذا النوع من الكلام «تجريحًا لفظيًا للمرأة».
يبدو أن العقل التنويري لن يجد مكانًا له في البرلمان، فالأحكام الذاتية صارت أعلى شأنا من المرجعيات الحقوقية، وصار الخوف من رؤية أفخاذ المرأة في الشّارع، أكثر أهمية من مناقشة ضرورة حمايتها، والسماح لها بالتمتع بحريتها الشخصية كما وفرها لها الدستور.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.