الأربعاء، 17 يوليو 2019

عين صالح: انحيازات الجغرافيا

من اِحتجاجات أهالي عين صالح

يكاد اِسم «عين صالح» يرتبط فقط بقضية الغاز الصّخري، فالحديث عن هذه المدينة الصّحراوية اِنحصر في نقاش محتدم حول اِستغلال الغاز الصّخري من عدمه، هكذا، وأمام هشاشة النّظر إلى الخلف، واِنقطاع الرّابط مع الماضي، اِمّحت المدينة من التّاريخ ومن الجغرافيا، وصارت مجرد مُرداف لقضية نضالية مُنفصلة عن السياقات الأساسية، تُغذي الصّفحات الأولى من الجرائد، واِفتتاحيات نشرات الفضائيات الجديدة، التي تتناول الموضوع بسطحية، باعتباره حدثًا معزولا عن تاريخ المدينة الثّقافي، كما لو أنها تعيد إكتشاف أرض تدكلت، التي لم تتوقف عن الدّفاع عن نفسها بنفسها.

التّاريخ يعيد نفسه في عين صالح، فهناك حيث الشّمس تدنو، أحيانا، من الرّؤوس حدّ ملامستها، لم تتبدّل قناعات العين صالحي، والمدينة التي خانتها الجغرافيا أكثر من مرّة، لم تمنع عن ذاتها خوض معارك داخلية، و أخرى خارجية، ولن يتسع المقال للتذكير بمقاومات المدينة، ماديًا وثقافيًا، للكولونيالية الفرنسية، فقد حصنت نفسها بنرجسية تليق بها، قبل أن ينقلب عليها الحال، ويكتب عنها شاعر المنطقة الرّاحل معمري بحوص: «راني نتأمل في زمان كي دار .. ظهرت فيه الختلة وبان فسادو»، الزمن دوّار، فقبل عام ونصف العام، لم يكن أحد يتحدّث عن عين صالح، كانت المدينة ذاتها تجاور ظلّها، تمر عبرها قوافل السّواح والعشاق والمريدين والقوّادين، وتتركها لوحدتها.  أما اليوم، فقد صارت المدينة جذرًا من جذور السّماء، صارت بقعة خير و دولارات أميركية، مصدر رزق وفير لسادة الشّمال الكسالى، وتوجّب على عين صالح أن تخرج مجددًا من عزلتها، و أن تدافع عن أرضها وعن شرفها، تمامًا كما فعلت في الماضي.

الدّفاع عن الشّرف في الجنوب ليس يحمل المعاني نفسها في الشّمال، فهو يعني «أعمال شغب». بالنسبة للتلفزيون الحكومي، لما ينزل شاب أعزل، خريج جامعة وطنية، عاطل عن العمل، إلى الشّارع، ليقول: «رغم مأساتي الشّخصي، فأنا متضامن مع المأساة الجمعية»، فهو يوصف بالمعتدي، وربما سيتم تجريمه، ثم محاكمته. لقد تعوّد سادة الشّمال الكسالى على النّظر إلى الجنوبيين بدونية، يؤمنون بأن الجغرافيا وحدها كافية لخلق ترتبية اِجتماعية، وفكروا أن رسالتهم إلى الجنوبيين ستكون ألطف وأكثر تأثيرًا في حال توظيف مذيع أخبار جنوبي، ليخبر شبابًا مثله بأن الاستماع للسلطة فرض عين، فقد تطوّرت الأمور، في الأيام الماضية، بشكل متسارع، ووجدت الحكومة نفسها في ورطة، فهي لم تفكر في ردّة فعل شعبية مماثلة، وباتت صفقاتها، التي عقدتها تحت الطاولة مع الشركات الطاقوية لاستغلال الغاز الصّخري، مهددة بالانقضاء قبل آجالها المحدّدة سلفًا.

شباب المدينة، الذي تعوّد على صنع بهجته من فراغ الصّحراء، وصدى صمته في الخلاء، لم يجد غير الحجارة، حجارة رملية في بعضها، ليقذفها كرسائل غضب نحو الشّمال، لا يريد منها تكريس صورة مُخالفة عن حقيقته، فالجنوبي هو صورة إنسانية من الهدوء والكرم، لكنه يشعر الآن بأنه يُهان، و أن أرضه ليست ملكًا له، فغَضِب وسيظل غاضبًا، إلى أن تعيد السّلطة التي وثق فيها، والتي أخبرتنا، أكثر من مرّة، بأنه صوّت عليها بقوة، تعيد مدّ يدها له مصالحة، وهذا ما لا نتوقّعه، على الأقل في الوقت الحالي.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرمزية

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.