الخميس، 17 أكتوبر 2019

لطفي: هرمونات ضد الخوف

لطفي دوبل كانون

صوت لطفي يعلو قليلاً، ليختصر عبثية المشهد، ثم يخفت، ويترك المجال للصّورة تتحدث عن جزائر نراها، ونخجل من الحديث عنها، يكسر صوته حاجزي القلق والارتياب العميقين، ويترك المُستمع يتخيّل بنفسه سيناريوهات مُحتملة لما يحصل اليوم، فالرابر، الذي تعوّد على مخاصمة السّياسي، يقدّم في أغنيته الأخيرة «ماتهدرش»(لا تتكلّم) هرمونات مُضادة للخوف، ويكرّس نفسه مُجددًا كمُغن/مُناضل، يُمارس الرّاب على سيرته الأولى، بمفهومه السّبعيني البروكليني، كخطاب صادم، يحاكي الواقع، ويعاكس السّائد.

في هذه الأغنية، نحن لسنا أمام نمط «هارد كور» صِرف، ولا ما يسمى « الراب الواعي» بمعناه الكلاسيكي، ولسنا بصدد الاستماع إلى بيان سياسي صريح، فدوبل كانون يجمع بين هذه العناصرة الثلاثة، يدمجها ببعضها البعض، ويستخلص منها خلطة محلية له، فهو يضع الأغنية في خدمة الاحتجاج، والاحتجاج في خدمة الأغنية، موزعًا تفكيره على أكثر من اِهتمام، من واقع حريّات التّعبير في البلاد، إلى تراجع الوضع المعيشي، واِرتفاع حدّة المظاهرات الرافضة لاستغلال الغاز الصّخري في عين صالح، ويحاول المغني نفسه اِختزال اللوحة، والإمساك بكلّ أطراف المشهد، بعبارات مُستفزة، مع طرح تناقضات الرّاهن، وتحويلها إلى كلمات في زمن تفاقمت فيه أزمات بلد المليون نصف المليون شهيد بشكل لافتٍ.

دوبل كانون لم يشيخ، فهو ما يزال يُفاجئ المستمع بكلماته المُفخخة، ويذكّره باستمرار أن صاحب «لاكامورا» ما يزال وفيًا للقناعات الأولى، وأن الراب قد يخفت مرّات لكنه لا يسقط في حوض الموالاة الجافّة، فأغنية «ما تهدرش» تأتي ضمن سلسلة أغاني ما بعد العهدة الرّابعة، التي سايرها الرابر ﺑ «لا» رافضة وخصبة، فقد أنتجت معارضته للوضع السّياسي الحالي، في ظرف سنة واحدة، أربعة من أجمل أغاني لطفي، وقد يتمنى مستمع أن يستمر الحال على ما هو عليه، ويواصل صاحب «الفيروس» ممارسة دوره كناطق باسم الغالبية الصّامتة.

رشيد نكاز في الفيديو كليب

منذ الثواني الأولى من «ماتهدرش»، يكشف لطفي دوبل كانون خيوط الموضوع، حيث يفتتح الأغنية بحوار صوتي قصير مع النّاشط السّياسي رشيد نكاز، وعرض لصور شخصيات من الإعلام، و أخرى من المجتمع المدني، برزت على السّطح، في الأشهر القليلة الماضية، ثم ينطلق في الغناء بمزاج حادٍ وصادمِ في آن، معتمدًا بالخصوص على مشاهد لرشيد نكاز، وأخرى لفرقة Africa jungle، كخلفية مرافقة للكلمات، وقد لعب نكاز دور الكومبارس كما ينبغي، وتقمّص الشّخصية التي أُسندت إليه جيّدًا، ومنح بذلك كليب الأغنية نقاطًا إضافية، فرشيد نكاز واحد من الشّخصيات الأكثر قربا من شباب الجزائر العميقة، ويتقاطع مع دوبل كانون في كثير من الخصائص المشتركة.

نقطة قوة لطفي دوبل كانون كانت دائما في الكلمات، في صرامة السّجع والمحسنات البديعية، في قدرته على إعادة رسم ملامح الرّاهن بلغة حلوة ومرّة في آن، ولم تشذ «ما تهدرش» عن القاعدة، فالكلمات شكّلت الأساس الذي بنى عليه الرابر فكرته لإقناع المتلقي، وحثه على التفاعل معها، وقد نجح لطفي مرّة اخرى في مسعاه باختلاق عالم من كلمات حيّة، وهذا ليس أمرًا غريبًا على مغنِ يتمتع بقدر عالِ من التّكوين المعرفي، ومُطّلع جيّد على ما يحدث الآن، فالأغنية الأخيرة، التي أطلقها أمس، هي اِمتداد لسيل من النّجاحات، لم يتوقف منذ ما يقارب خمسة عشر سنة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.