الخميس، 17 أكتوبر 2019

الع: العبث بالنوستالجيا وانعدام فضاءات التجريب

العُ

ماذا يفعل العُ اليوم بكل الأغاني التي يخرجها من الأرشيف ليعيد تشكيلها من جديد أو لـ«يعبث» بها؟ هذه الأيقونات التي تعود اليوم كنوستالجيا، أو كتراث موسيقي من دحمان الحراشي، وعبد القادر شاعو، والهاشمي القروابي، إلى اَعمر الزاهي، زُليخة، سلوى، لين مونتي، في يا غُربتي. أو لحن أغانٍ وطنيّة «من جبالنا» التي تصير «من جبّاناتنا». ففي هذه الاستعادة يقوم «العُ» بنفض الغبار عن أغانٍ منسيّة، ويعيدُ قراءتها بوسائله الخاصة من دون أحكام مسبقة، كنموذج على جيل جديد وذائقة جديدة. هو بذلك يختبرها أيضاً ويتأكّد من صمودها أمام الزمن خلف كل الاستعارات وعلامات القداسة التي تريد تصنيفها كتراث غير قابل للمراجعة.

العبث بالنوستالجيا

عندما نسمع صوت الرجل – المُسجّل في مظاهرة ما، أو ربما فقط في سبر للآراء قبل الانتخابات – يتكلّم عن حالته الاجتماعيّة والغضب الذي يحمله ضد محتكري السّلطة والمال، عندما نسمع هذا الرجل في بداية المقطع الذي نسمع فيه «أيام السرور ما بانو»،والمأخوذ من أغنية للهاشمي القروابي، لا يمكن أن نتساءل ما ذنب الهاشمي القروابي، لكن يمكننا أن نلاحظ أنّه قد تمّت إعادة توظيف هذا الأرشيف الغنائي، أو أن «العُ» قام بقراءة ثانية (أو خاصة) لأغنية القروابي، والتي تغنّي أيام السّرور خاصته. وعندما نسمع مقطع «من جبناتنا» الذي يحيل إلى الأغنية الوطنيّة «من جبالنا»، التي تغنّت بها الأجيال لسنوات في ساحات المدارس، يأتي اللّحن الأصلي في الخلفية باهتاً وجنائزيّاً، معبّراً عن التباين بين اِستعمال الكلمتين: «جبل» و«جبّانة».

هناك أيضاً توظيف جديد للعواطف المُبالغ فيها لأغاني الستينيّات والسبعينيّات: وهي الفترة التي دخل فيها الجميع (ما عدا بعض الأسماء) إلى حظيرة السّلطة، أو عندما صار الغناء بروباغندا. إذ يعيد «العُ» اللعب بالألحان القديمة التي ألفتها الأسماع على التلفزيون وفي الراديو، مسترجعاً إيّاها بطريقة قد يراها البعض «تشويهاً جميلاً للذاكرة». لا يفعل هذا مع الأغاني الكلاسيكيّة الجزائرية فقط، بل تمتدّ يده إلى مقطوعة «ما أحلى» والتي أقتبسها من مسلسل الرسوم المتحرّكة «سنان»، الذي كان يُعرض في الثمانينيّات ويشكّل ذاكرة لأجيال كاملة بأغنية الشارّة التي تقول: «ما أحلى أن نعيش في وطن واحد»، والتي قد تُقرأ أيضاً كتعبئة سياسيّة تافهة. هنا نسمع موسيقى تدويخيّة في الخلفيّة، قبل أن تنطلق عبارة «ما أحلى» في تكررات عديدة تحاكي موسيقى الخلفيّة مع الإيقاع البطيء، كأنّها عودة في الذاكرة لكن مع علامة تعجب كبيرة فوق «ما أحلى»، خاصة عندما نسمع أصوات الشخصيّات البعيدة والتي أُعيد مزجها.

مقطع: أعيانُه، المأخوذ من قصيدة مغنّاة من التراث الأندلسي، والمغنّى بصوت أحد أجمل أصوات هذا الطابع: بهجة رحّال. نسمع البَيتَ الذي يقول «أعيانُه التّي عذّبت قلبي بنظرتها»، نسمعُ اِنخفاض صوت بهجة رحّال مع المقطع الذي لا يرتفع. إذ تتردّد كلمة أعيانُه في تقطيعات كثيرة، حتى تفقد الكلمة موقعها في العبارة، ويتحوّل الصوت الذي غنّى عشرات القصائد الأندلسية وصار علامة في تاريخ الأغنية الأندلسيّة إلى صوت إلكتروني، تفقد معه الكلمة معناها لمدّة قصيرة، قبل أن يطلقها «العُ» لتعود إلى مكانها في البيت الشعري.بعض المقطوعات أيضاً اِستكشاف لهذا التراث الموسيقي، أو تفجير له بتركيبات أخرى. في مقطع «قداش عانَت الجزاير» وهو من أغنية بدوية من الغرب الجزائري، حيث نسمع الضرب القوي على البندير وصوت «القصبة» الحاد في بداية المقطوعة، نسمع تغطيات شهيرة للصحافة الفرنسيّة للمواطنين عن مجزرة بن طلحة العام 1997، قبل أن ينطلق الصوت ومعه قرع قويٌ على الطبول (درامز) يناسب إيقاع البندير و«القصبة». أو كما في مقاطع دحمان الحراشي «يا الحجلة» و«كيما صرالي»، حيث شكّلت أعمال المُجدّد في الأغنية الشعبية مواضيع مزيج موسيقي جديد لـ«العُ».

في «أرض الصحرا» – آخر المقاطع التي صنعها الفنان، هنالك اِسترجاع لتحطّم سردية «الصحراء الهادئة» في الاحتجاجات الأخيرة لسكان مدينة عين صالح الجنوبية ضد إستغلال الغاز الصخري، حيث تنطلق المقطوعة بعزف على العود للمغني الطوارقي عثمان بالي، قبل أن نسمع صوت أحد المحتجين ضد الغاز الصخري يظهر من صوته أنّه عجوز يتكلّم بلهجة صحراويّة أقرب للشعر الملحون، قائلا: «واقفين هنا!»، يردّد أنهّم لا يريدون ضرراً بالأرض فهي أرضهم، ويكرّر بشكل «غنائي» عبارة: ما بغينا (لا نريد)، قبل أن تنفجر المقطوعة بصوت كورال لفتيات صغيرات في أغنية عثمان بالي: «بين جبال» وتنفجر معها الإيقاعات الإلكترونيّة، وفي الخلفيّة يُسمع صوت أمازيغ كاتب (رمز الصحراء – المُعاد تدويرها في استديوهات الشمال – بالنسبة لجيل كامل) بصرخته المشهورة وهو يردّد: «أرض الصّحرا»، ثم يعود صوت عود عثمان بالي مرة أخرى متقطّعاً كأنّه عود كهربائي. في «أرض الصّحرا»، يضع «العُ» التراث الموسيقي لعثمان بالي، وصوت أمازيغ، وكليشيهات الجنوب والصحراء الهادئة السياحية بمكانة واحدة مع صوت لمحتج يقول بنفس اللّغة التي تغنّي بها الفتيات: «وردة بين جبال»، محاكياً معاناتهم وسبب احتجاجهم.

بصحبة عبد المجيد أعراب

يقول شاعر «الشعبي»  عبد المجيد أعراب، الذي اِنسحب من السّاحة منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، أنّه ينتمي إلى تقاليد كتابة قديمة رغم أنّه يعترف أنّ نصوصه مخفّفة لغويّاً مقارنة بنصوص المؤسّسين قبل ما يزيد عن قرن. اِكتشف أعراب، الذي ينتمي لجيل الثورة، الموسيقى التي يصنعها «العُ» عندما ركّبها على قصائده هو، فبالنسبة له كان ما يؤديه «العُ» مغلقاً على رجل في سنّه. في المقاطع التي قرأ أعراب فيها قصائده، اتخذت مواضيع سياسيّة تاريخيّة في أغلبها مع خلفية موسيقيّة للعُ. سواء في قصيدة «بركات»، نسبة إلى الحركة الاحتجاجية «بركات»، التي ولدت عشية الانتخابات الرئاسية السّنة الماضية، أو «مهد النصر الوطني» التي تستعيد مظاهرات ي 11 ديسمبر 1960.

اِنعدام فضاءات التجريب في الجزائر

يعبث «العُ» بالنوستالجيا ويعيد تدويرها رغم ما يشوب أعماله من هفوات ترجع في أغلبها إلى نقص الوسائل والمعدّات، إضافة إلى اِنعدام فضاءات للتجريب. ففي حين يتم تجاوز نقاشات حول مصطلحات مثل: «الموسيقى المستقلّة» و«الموسيقى البديلة» والاختلافات بينهما، واِعتبارهما (أم عدم اِعتبارهما) نوعان موسيقيّان منذ مدّة في بلدان عربية كثيرة، تأخّرت العملية في الجزائر، ولم تطرح هذه المصطلحات على تجارب معينة أصلاً. وذلك راجع لأسباب عديدة، منها:

– غياب الاستثمار الثقافي في الجزائر بصفة شبه معدومة، وقصور الاستثمارات القليلة في خلق شبكة إتصال وحضن الثقافة المضادة contre-culture، التي تشكّلت بشكل قوي على شبكات التواصل الاجتماعي، وصارت تنشط في مساحات خاصة قليلة غير ربحية مثل مساحة «la baignoire» والتي تعرض هذا الشهر لمصوّرين هوّاة بشكل غير تجاري، وغير ربحي للطرفين. ويتم تحضير هذه المساحات بمجهود فردي، لفنانين من مجالات مختلفة، لتؤدي دورًا يجدر بمساحات خاصة محترفة وخاصة تأديته.

– تحكّم مؤسسات الدولة في آليات الإنتاج والدعاية منذ عقود، واِرتباط شركات الانتاج «الخاصة» بالسّلطة الثقافيّة وتوزيعها لحصص المهرجانات الرسمية.

– توجّه الفرق الموسيقية الجديدة مباشرة إلى مؤسسات الدولة الرسميّة، كوسيلة وحيدة للظهور للجمهور وصنع اِسم، خاصة عندما ترتبط إذاعة رسمية مثل «جيل إف. أم»، أو »الإذاعة الثالثة« الناطقة بالفرنسيّة بتنظيم العديد من مهرجانات اكتشاف المواهب ثم دعمها لاحقاً من خلال إشراكها في المهرجانات الرسميّة الكبرى، بالمشاركة مع شركات إنتاج «خاصة» كبرى، تتبّنى هذه الفرق وتقدّمها على أنها الموجة الجديدة لما هو سائد في الموسيقى الجزائرية.

– عدم وجود مساحات خاصة ومؤسسات ثقافية خاصة تدعم وتساهم في تقديم التجارب الجديدة والمختلفة، وقصور الأماكن الخاصة على فرق موسيقية لا تزال في بداياتها أو في طريقها لمؤسسات الدولة الإعلاميّة وشبكاتها الإنتاجيّة.

– هجرة الكثير من التجارب الموسيقيّة المهمّة إلى فرنسا بشكل خاص، سواءً لعدم وجود مناخ يساعد على التجريب وعلى الإبداع بشكل عام (خاصّة في التسعينيّات) أو لحسابات تتعلّق بالالتزام، وتفضيل أخذ مسافة مع مؤسسات الدولة، خاصة عندما يرفض الفنان المساومة على منتجه والدخول في بيروقراطية المؤسسة الإعلاميّة-الإنتاجيّة.

منذ الاستقلال، ومنذ تشكّل دولة التحرر الوطني، كانت عملية إنتاج الموسيقى والدعاية لها – ولا تزال – من اختصاص السلطات الثقافيّة ومؤسساتها. وعندما نرى اليوم مطالبًا عمرها عقود عن الحالة الاجتماعيّة للفنان وحقوق المؤلف والنشر ومدى المشاكل التي تعاني منها المؤسسات الرسمية الثقافيّة، ورضوخ السوق لهذه الأخيرة من جهة، وغياب أفكار قد تكون خلاقّة للاستثمار في المجال الثقافي، يبقى طرح البديل صعبًا في جزائر اليوم. لذلك من الصعب على العُ وأمثاله «الخروج للنهار» في هذا الواقع، رغم المحاولات العديدة لإخراج هذه التجارب الموسيقيّة من الانترنت إلى مساحات خاصة، والتي تكاد تنعدم تقريباً في بلد كبير بحجم الجزائر.

 

 

ينشر هذا المقال بالاشتراك مع موقع معازف

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.