الخميس، 18 يوليو 2019

حرس المعبد

المؤسسات الثّقافية الرّسمية فهمت اللّعبة، اِستغلت وضع الصّحافي «المُنهك»، أملت عليه شروطها، مقابل فتات الرّيع، وحمت نفسها من النّقد، ومن الانتقاد.

ما تعرفه الصّحافة الثقافية، في الجزائر، اليوم، لم يسبق له مثيل في تاريخ البلد القصير، فمنطق التواطؤ صار أكثر حضورًا وترسخًا من منطق النّقد، وصار الصّحافي، سواء كان شابًا أو مخضرمًا، يفضل الصّمت مقابل لاشيء، بدل التّفكير بصوت عالِ اِنسجامًا مع القناعات، ومع الضّمير.

قبل أيام قليلة، نشرت صحيفة وطنية الغسيل، وكشفت عن تلقي شاب في الخامسة والعشرين صكًا بقيمة 4,4 مليار سنتيم، مقابل نشر خمسة كتب للناشئة، وآخر في التّاسعة والعشرين تلقى 5,3 مليار سنتيم مقابل نشر خمسة عناوين للأطفال أيضا، هكذا تمت المتاجرة بعقول الأطفال بالملايير، وبعدها بفترة وجيزة، خرجت المكلّفة بالإعلام في تظاهرة قسنطينة عاصمة للثّقافة العربية 2015 عن صمتها، وتحدّثت عن وجود تجاوزات في محافظة التّظاهرة نفسها وتضخيم للفواتير، لكن لا شيء حصل بعدها، وطوي الملفان سريعًا، فالفضائح صارت أمرًا عاديًا، وتعوّدت الغالبية على استقبالها بابتسامة محشوّة بسؤال واحد: كيف أصل أنا أيضا إلى الرّيع؟

القارئ لن ينتظر أن يطالع مقالا يكشف ما يحدث في دهاليز المسرح الوطني، ولا ما يحدث فعلا في كواليس المهرجانات الغنائية والسّينمائية، فكل الفعاليات الكبرى صارت مُغطاة برداء سميك: «كُل، واغمض عينيك!»، فقد صار من العادي أن نجد صحافيي الأقسام الثقافيّة، في الجرائد الوطنية، ضمن اللّجان المنظمة لكبريات الفعاليات، وهذا ليس إكراما لهم، وعرفانًا بدورهم، وإنما فقط شراء لصمتهم.

الأكيد أن الصّحافي الثقافي ليس راضِ عن أداءه. هو يعلم أنه لايقوم بدوره، صار حرسا للمعبد، يلزم نفسه تقمّص صفة غير صفته الحقيقية.

غالبية الصّحافيين الثقافيين في الجزائر تحسد الأقلية، تلك الفئة المهدّدة بالانقراض، من صحافيين ما يزالوا متمسكين بوعاء المسؤولية، يحفرون بجدّ بحثًا عن الحقيقة، ويكسبون كلّ مرة خصومًا جدّد بنشر غسيل القطاع، يقومون بواجبهم، رغم ما قد يكلفهم من خسائر نفسية ومادية.

هل يتذكّر الصّحافي الثقافي أنه يشكّل جزء من سيرورة تاريخ مرّ عبره الطاهر جاعوط، عبد المجيد كاوة، عمر أورتيلان، محمد بن شيكو، سيد أحمد سميان، وغيرهم من الأسماء الجادّة، التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في دفع عجلة الإعلام إلى الأمام، قبل أن يصل طوفان المال والرّيع، ويطغى السّؤال الأكبر على الصّحافي: ماذا سأكسب من وراء هذا المقال، وماذا سأخسر؟

العملية الحسابية، ومنطق الرّبح والخسارة، صارا أهم من إرضاء الذّات والانسجام مع الخيارات الموضوعية، والمُستفيد الأكبر من العملية هم طبعا سادة القطاع الثقافي، فلا رقيب على ممارساتهم الأحادية، ولا لسان قد يحرجهم، فقد أدركوا أن كثيرًا من الصّحافيين الثقافيين ليسوا سوى صورة مُصغرة من شعراء البلاط، في نسخة مطابقة لسنوات الانحطاط، عيونهم لا ترى سوى ما يحلو لها، لا ترى سوى هزّ البطن، ولا يعنيها ما يحصل خلف الظهر!

 

 

 

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.