الأحد، 16 يونيو 2019

في الجزائر.. كلّ شيء «نورمال»

فيصل شاطر

كل شيء نورمال

الجزائري يُحبّ أن يصنع لنفسه قاموسًا هجينًا، يفضّل كلمات خفيفة بمدلولات هشّة، بدلاً من كلمات صلبة، ذات مدلولات واضحة، الجزائري يتكلّم لغة مُفخّخة بالرمزيّات، وبالمعاني المٌفكّكة. «نورمال»، كلمة اِقتبسها من معجم فرنسي كولونيالي، اِحتضنها ووظّفها في لغته اليوميّة كبديل عن مرادفها العربي: عادي. نورمال هي واحدة من الكلمات الأكثر اِستخداما، هي مُرادف لكلّ شيء وللاشيء، هي اِختصار للحالة، قد تعني فرحًا ومقاساة في آن، توظّف عادة في مكانها وفي غير مكانها. جمهور المخاطبين يتداول كلمة «نورمال»(جاءت من اللاتينية normalis) على نطاق لغوي واسع، حتى اِرتقت في أهميتها على حساب ألفاظ أخرى، واِندمجت في اللّغة الأم، وتحوّلت إلى لفظ ثابت في العاميّة.

يتكلّم أحدهم بشكل مُضطرب وغير مفهوم، فيخاطبه آخر: «أهدر نورمال»، أي تكلّم بشكل عادٍ.. يرى أحدٌ ما تغيّرًا على وجه صديق له فيخاطبه: «وجهك مشْ نورمال».. يصف أحد حالة ما بأنها على شكلها الجيّد والمعتدل فيقول بأنها «نورمال». حتى الصّغار من الأطفال صاروا يستخدمون اللّفظ ذاته في لغتهم، ودخلت «نورمال» شاشات السّينما، وعنْوَن المخرج مرزاق علواش فيلمًا له ﺑ «نورمال»(2011)، وهو فيلم تحدّث فيه عن بعض الوقائع الحيّة من الحياة اليومية في الجزائر، ومن جهته، وظّف مغني الرّاب لطفي دوبل كانون الكلمة نفسها، وأدرجها في عنوان واحدة من أغانيه، التي ينتقد فيها السّياسية الفاشلة التي تسير عليها المشاريع العامّة في البلاد، حيث يصف فشل النّظام في الالتزام بمسؤولياته بالأمر «النورمال»، فقد أدخل اللّسان الجزائري الألف واللام على الكلمة الفرنسية ليؤكد على أحقيته في اِستخدامها، وراح يتحدّث بها في كلامه عن الملبس والمأكل والنوم، كالقول: «مارقدتش نورمال» أي أنني لم أنم بشكل جيّد.

بالمقابل، يستخدم اللّسان الجزائري الكلمة الأصيلة بالعربية «عادي» في بعض الحالات فقط، في وضعيات طارئة لا أكثر، وهناك مثل شعبي يتداوله الشّباب، للتّعبير عن تفشي المحسوبية والرّشوة، يقول: «عادي في بلادي!» يريدون منه القول أننا تعوّدنا على ظاهرة معينة أو وضع ما، وصار تلقائيًا أمرًا عاديًا..في الأخير، نتساءل: هل هذا التّوظيف الاعتباطي لكلمة نورمال يعتبر – برأيكم – أمرًا «نورمال»؟

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.