الخميس، 27 فبراير 2020

تلفزيون ضدّ السّينما

من فيلم الصّورة الأخيرة
من فيلم الصّورة الأخيرة

كثيرا ما يشعر المشاهد الجزائري بالتذمر، وهو يشاهد لحدّ الملل، تكرار عرض مجموعة معينة من الأفلام الجزائرية، التي يكاد يحفظ أحداثها ومشاهدها عن ظهر قلب، لا سيما الفكاهية منها، على غرار أفلام عثمان عريوات، أفلام رويشد، وأفلام المفتش الطاهر. وفي أحسن الأحوال يتكرّم التلفزيون الرّسمي بعرض أفلام تاريخية قديمة تزامنا مع المناسبات الوطنية، مثل ملحمة بوعمامة، العفيون والعصا،وريح الأوراس، وكأنّ ريبرتوار السّينما الجزائرية على ثرائه، لا يضم سوى هذه النوعية من الأفلام المتأرجحة بين ثنائية الضحك المجاني وتضخيم الأمجاد التاريخية، في حين هناك عشرات الأفلام القديمة والحديثة يرفض التلفزيون عرضها، لسبب أولآخر، ولعل شبهة المساس بالثوابت الوطنية، أوالتّفكير خارج المُتفق عليه من قناعات وتوجهات الدّولة الوطنية الأحادية، من وراء المنع في أغلب الأحيان، وهو المنع الذي تسبّب في الإجهاز على مجهود سنوات من عمل جماعي، كلّف وقتًا وأموالا معتبرة، ولم يبالي التلفزيون بالتّفكير في استرجاع بعض الخسائر، فقد كان يمكن له أن يتصالح مع الجمهور لو فكر في عرض أفلام بمثل قيمة «الصّورة الأخيرة» لمحمد لخضر حامينا.

يهوديّة في القرية

الآنسة بوايي
الآنسة بوايي

في قرية جزائرية، شرقي الجزائر(1939)، أي في بداية الحرب العالمية الثانية، جاءت الآنسة بوايي (الممثلة فيرونيك جينو) من فرنسا لتعمل كمُعلمة في المدرسة. الآنسة كلير بوايي امرأة جميلة، تحرص على ارتداء اللّباس الأنيق، أحدث قدومها إلى القرية اضطرابا شديدا بين مؤيد ومعارض لوجوده،  مما كسـر روتين الحياة الذي ألفته قرية هادئة مستكينة لقدرها، وهكذا تقاسم أهل القرية مشاعرهم اِتجاهها: هناك من تعاطف معها وأحبّها، هناك من حقد عليها واعتبر مجيئها فتنة قد تثير بلبلة وسط السّكان البسطاء، وفي آخر المطاف، تقرّر المعلمة الرّحيل والعودة الى بلدها، التلميذ مولود ( جسّد الدور نجل محمد الأخضر حامينا) يتعلق بحب مُعلمته، يستجديها للبقاء في القرية، وعندما تتأبط حقيبتها وتمتطي الحافلة، نشاهد مولود وهو يجري باكيًا خلف الحافلة في مشهد مؤثّر.

قيمة تاريخية وأخرى فنية

نال فيلم «الصّورة الأخيرة» اِهتماما دوليًا، يكفي أنه أُختير في مهرجان كان(1986)، ضمن القائمة القصيرة من الأفلام المرشحة لنيل السّعفة الذهبية وجائزتي التحكيم والإخراج. وحتى وإن لم يحصل على واحدة من الجوائز، لكنه استطاع أن يصل إلى الترشيحات النهائية، وهو إنجاز مهم في حد ذاته، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الأفلام المشاركة من كل أنحاء العالم في تصفيات هذا المهرجان السينمائي الرائد في العالم.

يحمل الفيلم أهمية فنية وتاريخية كبيرة بالنسبة للمخرج محمد الأخضر حامينا، إذ يمثل منعطفا حاسما أثر سلبا على مساره الفني، حيث توقف بعده مباشرة عن الإخراج السّينمائي، رغم أنه كان في أوج عطائه الفني، امتد انسحابه من الساحة الفنية لمدة 28 سنة، غاب فيها تماما عن الأنظار لولا حضور بسيط من حين لآخر، من خلال بعض التكريمات في مهرجان كان السينمائي. ليعود صاحب «وقائع سنين الجمر» أخيرا للإخراج من خلال فيلمه الأخير«غروب الظلال»(2014)، بعد كل هذه المدة الطويلة غير المبررة والمثيرة لكثير من الأسئلة، ما هو السّبب الحقيقي وراء انسحاب حامينة من السّينما كل هذه المدة، رغم أنه كان في أوج عطائه الفني؟ هل تأثر حقَا بالحملة الإعلامية الشرسة التي أثارها بعض الصّحفيين المحسوبين على الحزب الواحد، المعارضون لفيلمه «الصّورة الأخيرة»، خاصة من جريدة الشعب (الجريدة الوطنية اليومية المعربة الوحيدة آنذاك) ومجلة الوحدة ( لسان حال الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية)؟

الصّورة الأخيرة
الصّورة الأخيرة

ولم تتوقف الحملة الإعلامية المعادية للفيلم، على المستوى الجزائري فحسب، بل امتدت لتشمل أيضا مجلات وصحف مشرقية – خلال تلك الفترة كان المدّ القومي في أوج عنفوانه – حيث شنّ الناقد السينمائي المصري رؤوف توفيق هجوما شرسا من خلال مقال طويل، تحامل فيه بشدة على مضمون الفيلم والذي حاول حسبه أن يغازل اليهود ويلمع صورتهم من خلال بطلة الفيلم المُعلمة الفرنسية اليهودية. كما بلغ الأمر بالإعلامي والناقد السينمائي المصري أحمد بهجت، أن حمّل لخضر حامينا بعد فيلمه الصورة الأخيرة خاصة، ومجموع أفلامه عامة، مسؤولية المنحى الذي اتجهت إليه السينما الجزائرية والمغاربية في محاولتها كسب رضا المهرجانات السينمائية من خلال تلميع صورة اليهود، فقد أعطى السينمائيون المغاربيون «ذلك الإحساس المثير بأنهم يستطيعون غزو أوروبا بأفلامهم بل والفوز بالجوائز المهرجانية الكبرى، إذ استطاعوا تقديم لون من الموضوعات يُهيأ للمتفرج الأوروبي تلك الأفكار التي يرتاح إليها عند تعامله مع الشّرق العربي، ألا وهي أن يعطي صورة أصلية في ظاهرها ولكنها ملتوية مشوهة لا تبغي إلا مزج التقاليد العربية بدوافع التّخلف والقهر..وهكذا لن يجد العربي أمامه سوى الاتجاه إلى الغرب سواء بالهجرة إليه أوالإيمان بقيمة التّواصل مع العناصر الايجابية داخل مجتمعه العربي، وهذه العناصر لن يجدها سوى في شخصيات نادرة، غالبا ما تكون يهودية». ويتهم الناقد المصري لخضر حامينا بأنه القاطرة التي جرت سلسلة من الأفلام لمخرجين جزائريين ومغاربة عرب متأثرين بأسلوبه ونجاحاته العالمية، مثل المخرج التونسي نوري بوزيد من خلال فيلمه ريح السد خاصة، والذي حسبه «حاول مواكبة محاباة حامينة لليهود في فيلمه الصورة الأخيرة، فجعل الشخصية اليهودية هي الشخصية الأكثر سموا وإنسانية في مجتمع تسلطت عليه الشهوات وكلّ أصناف القهر والإذلال». وهل تأثر حامينا كذلك بنزاعه الشديد مع الكاتب مراد بوربون الذي تقاسم معه كتابة سيناريو الصورة الأخيرة؟ والذي انتهى إلى أروقة القضاء، بعدما رفع المخرج دعوى قضائية ضد بوربون بادعاء أن لا علاقة له بكتابة سيناريو الفيلم، ويبدو أن بوربون نجح في كسب القضية على حساب حامينا مما أثار استياء هذا الأخير وغضبه، وقد أحس أنه أصبح رجلا مغضوبا عليه، بعدما كان معززا مكرما، يتمتع بكامل الصلاحيات في الإنتاج والإخراج السينمائي، من خلال إشرافه على الشركة الوطنية للصناعة السينماتوغرافية.

لماذا امتنع التلفزيون عن عرض الفيلم؟

محمد لخضر حامينا ومرزاق علواش
محمد لخضر حامينا ومرزاق علواش

رغم أن الفيلم قد تم عرضه في جميع قاعات السينما، المتواجدة في كل المدن الجزائرية الكبرى –عدد القاعات السينمائية في الجزائر آنذاك هو الأكبر في الوطن العربي- لكن التلفزيون الجزائري امتنع عن عرضه، ولا يزال مُصرّا فيما يبدو على عدم عرضه إلى الآن، في حين يتم عرض عدد آخر من الأفلام عبر التلفزيون عشرات بل مئات المرات إلى درجة الابتذال. السّبب الرّئيسي فيما يبدو واضحا، ذلك أن فيلم الصورة الأخيرة يخرج عن النمطية المعتادة في الأفلام الجزائرية في ضرورة عدم طرح أسئلة الوضع الاجتماعي على هامش ماقبل الثورة التحريرية، والاكتفاء فقط بالإشادة والتمجيد، دون الدّخول في تفاصيل المعاناة والعلاقات الإنسانية داخل نسيج المجتمع الذي لم يكن يتشكل من الجزائريين وحدهم، بل كان هناك عناصر إثنية أخرى تتكوّن من أوروبيين، ومعتنقي اليهودية، كانوا يعيشون أحيانا بانسجام وأحيانا أخرى بغير انسجام مع المجتمع الجزائري آنذاك.

فيلم الصّورة الأخيرة لم يكن الفيلم الأول الذي رفض ولا يزال التلفزيون الجزائري عرضه على الشاشة، هناك مجموعة هامة من الأفلام طالها المنع، مثل أفلام محمد شويخ، خاصة «القلعة»، فيلم جعفر الدمرجي عن «إيزابيل ايبرهاردت»، مجموعة من أفلام محمود زموري، أفلام رشيد بوشارب خاصة «شاب»، وعدد كبير من أفلام مرزاق علواش: باب الواد سيتي، الحراقة ، التائب، والقائمة  للأسف طويلة.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.