الخميس، 17 أكتوبر 2019

بيتكوين.. طرق الرّبح والخسارة

 

العالم يتبنى عملته الجديدة
العالم يتبنى عملته الجديدة

العالم يتطوّر بسرعة، والتّكنولوجيا أيضا، التّقنية صارت أسهل، وطرق الكسب أسرع، وربما سمع الكثير منكم بمصطلح «بيتكوين» بشكل أو بآخر، هذا المصطلح الذي يختزل فضاء جديدًا مفتوحًا على التحوّلات.

بيتكوين (Bitcoin) عبارة عن بروتوكول جاء بهدف حلّ واحد من عوائق البرمجية، التي دامت عقودًا، هذا العائق كان سببًا في عدم استحداث عملة نقديّة إلكترونية، والذي عُرف بمشكل الإنفاق المزدوج، بمعنى آخر، فإنه لم توجد ضمانات لعدم إستعمال المبلغ المالي نفسه عدّة مرات(سهل النسخ من منطلق كونه إليكترونيًا). ظاهريًا، المشكل يبدو بسيطًا، لكنه مُعقد أيضا، واِستمر كذلك إلى أن آتى مؤسس البيتكوين المجهول، الذي يختفي وراء اِسم «ساتوشي ناكاموتو». هذا الأخير نشر، شهر نوفمبر 2008، مسودّة مشروع، تحت عنوان:«نظام عملة إليكترونية.. بالندّ للندّ». الفكرة لاقت سريعًا ترحيبًا، من طرف مستخدمي الأنترنيت، لجديتها وواقعيتها، و عرفت شكوكا من إمكانية تحقّقها في الوقت نفسه، خاصة بسبب تكرّر فشل تجارب سابقة لاستحداث عملة إليكترونية مُوحّدة. ساتوشي ناكاموتو بدا واثقا من نفسه، من البداية، طوّر فكرته وأكمل عمله، وأخذ البيتكوين، شيئًا فشيئًا، يحدث هزّات في العالم.

في جانفي 2009، وُلدت شبكة البيتكون بخصائص كان يمكن أن تغيّر وجه العالم. عملة إليكترونية تستعمل الند للند (P2P)، ما يعني أنها تستغني عن الوسيط الكلاسيكي (البنوك والحكومات وسياساتها)، هذا ما جعل المُعاملات والتّحويلات بالبيتكوين تتم بأرقام جدّ مخفضة، ثم مجانية، بشكل أحرج البنوك و شركات التحويل العالمية، مثل وسترن يونيون و البيبال (PayPal).

عملة البيتكوين اِنطلقت من مبدأ «اللامركزيّة»، فمن الجانب التقني، لا يوجد مركز يمكن له أن يوقفها، ولا شركة، ولا أي حائل يقف بينها وبين الزّبون، كما إن التحويلات ليست قابلة للإلغاء، لما يرسل شخص بيتكوين، فمن غير الممكن أن يلغي الإرسال كما يحصل مع شركات التّحويل المعروفة، هكذا صار البيتكون، في سنته الأولى، العملة النموذجية للمجرمين. وصادف ميلاد بيتكوين إنشاء الموقع المسمى سيلك رود ( SilkRoad) على شبكة التور(Tor)، لتجارة الممنوعات، كالأسلحة، المخدرات، الوثائق المزوّرة وحتى عرض الخدمات الإجرامية كالقتل، وساهم هذا الموقع في دفع صيغة التعامل بالبيتكوين للواجهة بعد أن أثار ضجة في الإعلام وقت نشوءه، وضجة أكبر بعد غلقه من طرف الأف.بي.آي (FBI)، حيث تمت محاكمة العقل المُدبر لموقع سيلك رود، والذي يواجه تهمة تصل عقوبتها سجنًا مؤبدًا.

مؤشرات السّوق

تحويل مالي بلا قيود
تحويل مالي بلا قيود

بدأ البيتكوين كفكرة مجنونة، لم تكن لها قيمة ثابتة. في أكتوبر2009 كان من الممكن شراء 1309 بيتكوين بدولار أميركي واحد فقط، وفي أفريل 2013، أي بعد ثلاث سنوات نصف السّنة، بلغ سعر البيتكوين الواحد 260 دولار أمريكي! بمعنى نسبة زيادة تقدر ﺒ 340300% ، لكن سرعان ما اِنهار السّعر إلى 60 دولارًا، الأمر الذي أكسب تعاملات العملة الجديدة تغطية إعلامية واسعة، وجعل العديد من النّاس، الحالمون بالربح، ينضمون إلى شبكة تعاملات البيتكوين، ويستثمروا أموالهم في المشروع ذاته، ما أسفر عن زيادة السّعر مرّة أخرى، وبلغ 1200 دولار. بطبيعة الحال، السّعر لم يعكس القيمة الحقيقية للبيتكوين، حيث كرّر خبراء في أكثر من مناسبة أن السّعر مبالغ فيه، وبالتالي فإن البالون قد ينفجر، وهو ماحدث فعلاً، فالسّقوط مُستمر، وسعر البيتكوين الواحد يناهز220 دولارًا لحظة كتابة هذه الأسطر، لكنه يظلّ مُرشحًا لارتفاع جديد.

بنية شفّافة

ربما يعتقد البعض خطأ أن البيتكوين عملة وهمية يستخدمها مجرمون فقط، وهو تخمين مُتسرع، وبعيدًا عن ذلك، فالسلسلة التكتلية أو ما يعرف بـ «Blockchain»، هي الخاصية الثورية التي تتميّز بها هذه العملة الجديدة، التي جاءت لتحلّ مشكل الإنفاق المزدوج، و هي واحدة من أرقى الإختراعات التي تفرض الشّفافية على المتعاملين جميعهم، حيث يتم تسجيل جميع التّحويلات في كتل (Blocks)، ويتم توزيعها عبر كامل شبكة البيتكوين، كما يمكن لأي كان الإطلاع على هاته المعلومات، مثلا: تاريخ التّحويل، قيمة التًحويل، عنواني المُرسل و المُرسل إليه، هنا يجب أن نشير إلى المقصود من العناوين، فلإستخدام البيتكوين ما عليك إلا أن تُحمّل البرنامج المفتوح المصدر على حاسوبك أو هاتفك الذّكي، وبمجرد تشغيل البرنامج سيتم إنشاء عنوان بيتكوين شخصي لك، وهو عبارة عن سلسلة من الأرقام والأحرف، ما يعني أن هويتك تبقى غير مُعرّفة والعنوان الوحيد الذي تحتاجه هو العنوان الذي يقدّمه لك البرنامج، بشكل يعطي إمكانيات هائلة للمتعاملين من بعض دول العالم الثالث لتجنب  بيروقراطية المعاملات البنكية و بطء إجراءاتها.

اليوم، يمكن للفرد إنفاق البيتكوين وإستخدامه في عمليات الشّراء على الإنترنيت، فهو مصمّم أساسًا لهذا الغرض، عكس بطاقات الدّفع الإليكترونية، التي دخلت السًوق الأمريكية بداية السّبعينيات من القرن الماضي، رُقيت لتواكب تطور السّوق مرارًا و تكرارًا، غير أن بطاقات الدّفع لم تكن مصممة للتعامل مع الإنترنت. في الوقت الحالي، الإحصاءات تشير إلى أن الملايين من مستعملي بطاقات الدّفع يتعرضون لسرقة الهوية أو سرقة أرقام بطاقاتهم، مما يصعب ويرفع تكاليف حفظ وتأمين المعلومات الشخصية للشركات التي تتعامل ببطاقات الدّفع، ويزيد من تكاليف الإستخدام. وشركات عملاقة كميكروسوفت، ديل،  ريديت  وأوفرستوك بدأت في إستخدام البيتكوين، كما إن المستثمرين في السيليكون فالي (Silicon valley) أنفقوا مئات ملايين الدّولارات في مشاريع شركات (Stratups) ما يوحي بمستقبل واعد لهذه العملة الصّاعدة.

ونصل هنا إلى سؤال منطقي: كيف لما بدأ الغرب يفكر في الإستغناء عن تكنولوجيا بطاقات الدّفع التي تعتبر عتيقة الطراز، تتجه الجزائر متأخرة، عكس حركة العالم، لتبني تكنولوجيا يفكر الغرب في التّخلص منها؟

نهاية عصر بطاقات الدّفع؟
نهاية عصر بطاقات الدّفع؟

المُلاحظ أن عملة البيتكون لم تحرك اهتمامًا محليًا في الجزائر، وهذا  لأسباب عدّة، منها ضعف التداول التّكنولوجى، وشبه إنعدام للمواد والمواضيع التي تتحدّث عن البيتكوين، باللّغة العربيّة، وهو للعلم مشروع مفتوح المصدر، ما يعني أن البرنامج مكتوب ومسنود من طرف مئات المهندسين المتطوعين، والجزائر ضيّعت وما زالت تضيع فرص مهمة رغم العدد القياسي لمستعملي الهاتف الذّكي في البلد، الذي كان من الممكن(ومازال ممكنا) أن  يسهل تطبيق إستعمال البيتكوين الذي قد يغيّر حياة الملايين ّمن الجزائريين، الذين لايملكون حسابات بنكيّة. يبدو أن الوقت قد حان للتّخلي عن الأوراق النقدية(الكاش) و جاءت مرحلة تبني الأنظمة الإليكترونية الدّقيقة، التي من شأنها أن تغيّر الموازين و تكرّس شفافية وعدلاً من شأنهما أن يُغيرا حياة الجزائري.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.