الأحد، 16 يونيو 2019

كوميديا الواب

يوسف زروطة
يوسف زروطة

هناك جيل جديد من الشّباب الجزائري، بين سنّي العشرين والخامسة والعشرين، لا يهمه كثيرًا الخروج مع الأصدقاء، أو الجلوس مُطولاً في مقهى، أوأمام بوابة ثانوية، أوكُليّة، أوالتّسكع بلا هدف على أرصفة وسط بلد، شباب وجد طريقة للتسليّة والتّعبير عن الذّات في «البودكاست»، بإنجاز فيديوهات قصيرة، تعلّق عن ظاهرة أو حادثة راهنة، بطريقة كوميدية، ثم نشرها على اليوتوب، ومواقع التّواصل الاجتماعي الأخرى.

يوسف زروطة، عادل سويزي، أنس تينا، دي. زاد جوكر، شمسو بلينك، وغيرهم من الأسماء، هم شباب، في سنّ متقاربة، اِستغلوا تطوّر الإعلام الجديد، ليحكوا اليوميّات الجزائريّة، في فيديوهات لا تتجاوز مدّتها بضع دقائق، وتحظى بأرقام مشاهدة تتعدى مئات الآلاف من المشاهدين. الارتجالية هي خاصيّة مشتركة بين الفيديوهات التي يشتغل عليها هؤلاء الشّباب، لكنها ارتجالية تتكئ على سيناريوهات مُعدّة سريعًا، بدأت تنضج، شيئا فشيئا، في الأشهر الماضيّة.

عادل سويزي
عادل سويزي

جمهورهم هو، بالدّرجة الأولى، من فئة المراهقين، وهي فئة يصعب إقناعها بسهولة، مما يستوجب على هؤلاء الكوميديين الجدد على الواب أن يظلّوا في الاستماع، بشكل مُستمر، لما يحدث في الشّارع، وفي تواصل مع النّاس ومع البسطاء، وأن يستمعوا لحكايات الآخرين، وهموهم ويعيدوا تصويرها في فيديوهات. والملاحظ في الجزائر أن البودكاست ما يزال مُذكرًا مئة بالمئة، هو صوت ذكوري بالأساس، من وإلى الذّكور، مما يوقعه أحيانًا في مصيدة الأحكام المُسبقة، والسّخرية من النّساء، وتجدر الإشارة إلى طغيان الذّاتية على الموضوعية في التّعامل مع موضوعات الفيديوهات، حيث يُنصب صاحب البودكاست أحيانا نفسه سيدًا على المُتابع، يقدّم له سلعة مُعينة، ويطلب منه أن يهضمها دونما نقد أو تعليق، متطرقا إلى موضوعات تقارب أفكار متعدّدة، مثل السّخرية من السّياسة، السّخرية من النّساء، السّخرية من العمل، السّخرية من الدّراسة، كل شيء يحتمل السّخرية في نظر هؤلاء الشّباب، لكنهم قليلاً ما يسخرون من أنفسهم، وقليلا جدًا ما يعيدوا مشاهدة الفيديوهات وتنقيحها كما ينبغي قبل نشرها على الواب، يمارسون هوايتهم بعفوية.

أنس تينا
أنس تينا

وأمام شعبيتهم المُتصاعدة، بات من الطّبيعي أن تحاول القنوات التلفزيونية الجديدة، في الجزائر، استقطابهم، وتفعل الشركات التجارية الشّيء نفسه، بالاتفاق معهم للترويج لمنتوجات معينة، والاستفادة من القاعدة الشّعبية الواسعة من المتابعين لهم، وقد حصل الأمر مع يوسف زروطة، عادل سويزي، أنس تينا ودي.زاد جوكر، كلهم دخلوا الشّاشة الصّغيرة، واستفادوا من نجاحاتهم على اليوتوب لتوفير صفقات عمل مربحة لهم، فمن المهم التّذكير أنّ هؤلاء لا يكسبون عائدات ماديّة من الفيديوهات التي ينشرونها على الأنترنيت، وهي فيديوهات تصوّر غالبا في أمكنة مُغلقة (غرفة، صالون، مطبخ)، مع الحدّ الأدنى من الوسائل التّقنية. واليوم، لا يمكن تقديم دراسات حول السّخرية في المجتمع الجزائري دونما ذكر «نجوم الواب» الجدد، فقد قلبوا نسبيًا القوالب التي كانت مُتبعة من قبل، وساهموا في «دمقرطة» الكوميديا، بجعلها مادة متاحة للجميع، واِنخرطوا بذلك فيما يمكن أن ننعته ﺒ «الثّقافة البديلة»، الموجودة منذ عقود في الجزائر، لكنها تطوّرت بشكل مثير، في السّنوات الأخيرة، بفضل نشاطات هذا الجيل الجديد على مواقع التواصل الاجتماعي، فبالنسبة لشباب «البودكاست»، السّخرية لا تحدّ في نكتة، أو في حضور كوميدي جيّد، بل تقوم بالأساس على تقمص وضعيات مُختلفة، ونقل أحاسيس للمشاهد، ولن تبلغ السّخرية ذروتها سوى بعد تشكّل العلاقة الثّنائية، بين صاحب الفيديو والمُشاهد، فالجمهور هو من يتلقى العمل، وبقدر تفاعله معه تتشكل شعبية البودكاست، ونجاح فيديو مُعين لا يعني بالضرورة نجاح صاحبه، فالمشاهد يُعاين الفيديو أولاً، ويتفاعل معه، بغض النّظر عن صاحبه، وأكثر الفيديوهات نجاحًا هي فيديوهات مجتمعية، تقتبس فكرتها من قضية اجتماعية عامة، فبقدر الابتعاد عن الخصوصية، والاقتراب من الانشغالات العامة، يكسب الفيديو هامشًا أوفر من المتابعة ومن تفاعل المتابعين، ونجاحات هذه الجيل الجديد من شباب الواب صارت تحرج الممثلين و الكوميديين المكرسين، والذين تعودوا على الطّرق الكلاسيكية للظهور على التلفزيون، فمنطق البودكاست غيّر المعادلة، وصار ممكنا العبور من البيت إلى التلفزيون مباشرة، دونما المرور على معهد متخصّص، ودونما الحاجة إلى علاقات شخصية مع منتجين أومخرجين.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.