الأحد، 16 يونيو 2019

الحبّ يبدأ من الفايسبوك

من عالم اِفتراضي إلى عالم حقيقي
من عالم اِفتراضي إلى عالم حقيقي

في السّنوات الخمس الماضيّة، تحوّل الفايسيوك من وسيط تواصل اجتماعي إلى نادي تعارف، وصار يلعب الدّور نفسه الذي كانت تلعبه نوادٍ ليليّة، أو قاعات فنية، أو مخيمات صيفيّة، في السّبعينيات و الثّمانينيات من القرن الماضي، فأمام توسّع المدّ المحافظ، وإغلاق الملاهي في الجزائر، صار الشّباب، ومن تجاوز فترة الشّباب، يبحث عن بديل للالتقاء بالجنس الآخر على الفايسبوك، ففي هذا الموقع الأزرق تمحى الفوارق الهوياتية والعرقيّة، وتتحرّر الألسن في الحديث عن الحميميات، وهكذا برز مصطلح «computer love»، وصارت الأنترنت مصنعا لعلاقات عاشقة جديدة، والكومبيوتر بوابة دخول «معسكرات حبّ بلا حدود».

من خلال طرق بعض المشتركين في الموقع نفسه في نشر تعليقات، أو في نشر صور معينة، صاروا يكسبون الإعجابات، ثم العلاقات الثّنائية، التي لن تتطور بالضرورة إلى علاقة عاشقة، لكن كثير منها وصل إلى مراحل جدّ متقدّمة، وهنا لا يمكن تقزيم قيمة الفايسبوك، ووصفه دائما بفضاء اِفتراضي، وأنّه لا ينفع سوى لخلق علاقات عابرة، بل هو وسيط واقعي، استطاع أن يخرج من حيزه الصّغير في الكومبيوتر إلى الحياة اليوميّة العامّة. ألم تقم الثورتان التونسية و المصرية انطلاقًا من صفحات على الفايسبوك؟

من المهم أن نخرج من الكليشيهات و ندرك أن موقع مارك زوكربيرغ قد تجاوز وظيفته الأساسية، وصار ميدانًا واسعًا، يحتشد فيه السّياسيون، الرّياضيون، النّجوم، الطّامحون إلى الرّبح السّريع، المتلصّصون، وكذا العشّاق، الذين يبحثون عن تجارب جديدة، وقد ذكرت صحيفة«نيويورك تايمز»، في مقال لها نُشر قبل فترة قريبة، أن اللّقاءات العاطفيّة على الفايسبوك لا تقل في أهميتها، والمشاعر التي تلّفها، عن اللّقاءات العاطفيّة في الحياة الطّبيعية. وصار من العادي في الجزائر، في السّنوات الأخيرة، أن نسمع عن قصص حبّ تجمع بين جزائريين أو جزائريات ونظراء لهم من اليابان أو واحدة من دول أميركا اللاتينية البعيدة، وهو شيء لم نكن نسمعه عنه قبلا، فعلاقة الجزائري بالأجنبي ظلّت طويلاً محصورة في علاقة تسير في اتجاه واحد: صوب أوربا فقط.

غالبية الجزائريين يمتلكون حسابات، حقيقية أو وهمية، على الفايسبوك، والجزء الأعظم منهم يمتلك حسابا باسمه الحقيقي، بالتّالي صار هذا الموقع جزء من يومياتنا، يرافقنا في كلّ ساعة وفي كلّ حين، وهو ليس دائما مصدر عاطفة فقط، بل أيضا مصدر قلق وصراعات وصدامات مع الآخر، لكنه يسمح لبعض أبناء الجيل الجديد الذين لم يعيشوا حياة «الديسكو»، والسّهرات الصّاخبة، في جزائر ما قبل الألفية الجديدة، أن يعيشوها بشكل مُختلف، وأن يمارسوا الطّقوس نفسها، بالخروج من الفايسبوك – بشكل افتراضي – ببذرة علاقة عاطفية، قابلة للتّطور سريعًا. صحيح أن الحياة صعبة، لكن الفايسبوك يبدو كرجل طيب يعرض علينا خدماته لتوفير حياة أسهل، فما لا نستطيع فعله في الحياة العادية، يمكننا فعله بسهولة على الفايسبوك، فهو يسهل لنا مثلا إضافة من نريد من الأصدقاء، وحذف من نريد، ويمكننا من مهمة إعادة ترميم علاقات قديمة، مع أناس عرفناهم في فترة سابقة، وبشكل سريع. هكذا صار الفايسبوك يلعب أكثر من دور، ويقضي تدريجيًا على أشكال قديمة في المغازلة والإغراء، ويؤثر على وجود مواقع التّعارف الكلاسيكية، التي لم تعد فعالة، وتستهوي فقط الفاشلين في العلاقات العادية، والفايسبوكية. هل يجب أن نجدّد علاقتنا بالفايسبوك إذًا، ونتعامل معه كوسيط لبناء مستقبل عاطفي؟ الأمر جد ممكن، فقد صار الموقع الأزرق يختصر الأزمنة والمسافات.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.