الأحد، 16 يونيو 2019

جلول مربروك: هويّات مُشتتة

فيصل شاطر

جلول مربروك
جلول مربروك

لغتي الإنجليزيّة ليست جيّدة جدًا، فأنا أستعين أحيانا ببرنامج التّرجمة الفوريّة على «غوغل»، والذي ساعدني في التّواصل، في المرّة الأولى، مع كاتب أميركي، لم أكن أعرف عنه الشّي الكثير. تعرّفت عليه في الفايسبوك، ودخلت سريعًا، في دردشة معه، كنت أسأله، وهو يجيب بعفوية وتواضع.

جلول مربروك،  شاعر وأديب وصحافي أمريكي، من أصل  جزائري، ولد عام 1934 بمدينة بوسعادة، جنوبي الجزائر العاصمة، لأب بوسعادي (لقبه العائلي مبروك) وأمّ رسامة، هي: خوانيتا غوشيون، التي جابت لوحاتها كثيرًا من الغاليرهات الأوربية والأميركية، وصادقت الفنان العالمي بابلو بيكاسو عن قرب. غادر جلول الجزائر صبيًا، بعد طلاق والديه، وعاش طفولته بين بروكلين ومانهاتن ومدينة نيويورك، حيث أنهى المدرسة، ليلتحق بجامعة كولومبيا، وخدم بعد ذلك في البحرية الأميركية ثم عمل في الصّحافة بقية حياته.

أول مجموعة شعرية للكاتب جاءت بعنوان: «بعيدا عن الجزائر« صدرت عام 2008.  ومن أعماله الأدبية الأخرى، روايات قصيرة: «ذئب المراعي»، «غرفة أليس ميللر» و«ساراسينو». لمّا قبل صداقتي على الفايسبوك ظننت أنّ سيدًا في مثل هذه السّنّ المتقدمة (79 سنة) إنما يسيّر حسابًا فايسبوكيًا، كواجهة فقط، ودلالة على الحضور لا أكثر، فقد اِعتقدت أنه لا يقدر على التّواصل، لكن ظني به كان غير صائب، فبمجرد ما أرسلت له تحيّة على الأنبوكس حتى ردّ عليّ مرحبًا: «أهلا يا اِبن بلدي»، قالها بعد أن عرّفته بنفسي. سألته: «أنت جزائري أم أميركي؟». «أنا خليط من الإثنين» أجاب.

لماذا  عنونت ديوانك الشّعري «بعيدًا عن الجزائر»؟

لأني أعيش بعيدًا عن بلدي، وفكرت في زيارة الجزائر، لكن الظروف وقفت حائلا. الجزائر بلد والدي، أريد أن أراها مجددًا قبل أن أموت.

متى عرفت أنك جزائري؟ فقد قرأت لك حوارًا تقول فيه:«عرفت أني جزائري الأصل في وقت متأخر جدًا».

نعم! في سنّ مبكرة من عمري شعرت أن والدتي لم تخبرني الحقيقة كاملة بشأن أصلي. فكرت أنّ ربما لي أصولاً فرنسية، مثلا، بحكم أن فرنسا كانت تحتل الجزائر سنة ميلادي، وأن اِسمي قد يكون صيغ بالفرنسية، لكنه من أصل عربي تماما، مثلما حدث مع اِسم زوج والدتي الثّاني، الذي تحوّل من دومينيكو جيوفاني إلى دومينيك جون. لقد درست التاريخ العربي في الجامعة. كنت قارئا نهما لترجمات الأدب العربي. لا أذكر تمامًا العدد الهائل من الكتب التي قرأتها عن العرب. توصّلت إلى معرفة حقيقة هويتي في وقت متأخر جدًا من حياتي، وبالصّدفة. حدث ذلك عام 1992، عندما نظمت مع دائرة الثّقافة الأميركية معرضا في الجزائر للوحات والدتي خوانيتا غوشينون، التي رسمتها في بوسعادة في الثّلاثينات من القرن الماضي. وجدت سيدتان جزائريتان، من ضمن المسؤولين عن المعرض، أبديتا اهتماما شديدا بلوحات والدتي. جاءتا إلى الولايات المتحدة لمقابلتها. لاحظت حينها وشما على ذراع إحدى السّيدتين، وأخبرتها أني شاهدت هذا الوشم في إحدى لوحات والدتي. قالت: «نعم، إنه علامة من علامات قبيلة أولاد نايل»، حينها فكرت أن والدتي قد عاشت مع أولاد نايل. عندما عادت هذه السّيدة إلى بوسعادة(يقصد الدكتورة و الباحثة الأنثروبولوجية بركاهم فرحاتي)، وكانت حينها مديرة المتحف الوطني نصر الدّين ديني، اتصلت بي لتبلغني بنيتها  في تقديمي لعائلتي هناك. كنت مُرتبكا جدًا. فقد علمت أن لي زوجة أب، وأخوين وأخت غير أشقاء. كانت والدتي دائما تقول إن والدي قد توفي عندما كنت رضيعا. الحقيقة أنه عاش حتى عام 1978، وتزوّج، بعد طلاقه منها، من سيدة أسكتلندية ثريّة، كانت تعيش في بوسعادة. وبعد وفاة الزّوجة الثّانية، تزوّج من الفتاة اليتيمة التي كانت ترعاها زوجته. وهي لا تزال على قيد الحياة. كنت أعجب وأتساءل ما جدوى كل ذلك الآن؟ وعلمت بعد ذلك أن اِسم مربروك هو التسمية الإنجليزية للاسم المحلي الشائع مبروك.

لوحة لخوانيتا غوشيون
لوحة لخوانيتا غوشيون

إستعادة اللّوحات الضّائعة

عام 2011، وجد جلول مربروك نفسه شاهدًا على قضية أثارت كثيرًا من اللّغط في الصّحف الجزائرية، فبعدما أرسل، مع السّلطات الجزائرية في واشنطن، لوحات والدته الفنانة خوانيتا غوشيون، إلى الجزائر، تنفيذًا لوصيتها، تبيّن أن اللّوحات قد فُقدت، ولم تصل إلى حيت أُريد لها، وقامت وقتها حملة واسعة من التنديد، والمطالبة باسترجاع اللّوحات (147 لوحة، تقدر قيمتها المادية بملايين الدولارات)، واِنتهت القضية، بعد أشهر من الجدل و الأخذ والردّ، بتسليم اللّوحات لوزارة الثقافة، التي سلمتها بدورها للمتحف الوطني للفنون الجميلة.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.