السبت، 24 أغسطس 2019

أغانٍ ممنوعة

الجزائر العاصمة مدينة مُتردّدة، خجولة، وغير واثقة من نفسها، تغلق يوميًا أبوابها باكراً، قبل الثّامنة مساء، لتختلي بنفسها، تداعب صمتها وتمارس عادات سريّة وعلنيّة وطقوساً ليلية. تحرس أحلام شباب يبحث عن حياة أخرى وتؤنس أوهامهم. شباب يستمع إلى صوته في بعض الأغاني، الممنوعة من وسائل الإعلام الرسمية، كونها تفضح خبايا الحياة السياسية والعادات الاجتماعية السائدة.

الأغنية السياسية الملتزمة في الجزائر، تجد نفسها اليوم ضحية «تعسف» السلطة الحاكمة التي ما تزال تحتكر سوق الإعلام، رغم الانفتاح الخجل في السّنوات الماضية، وتتجاهلها رغم أنّها امتداد لمسيرة أغنية برزت خلال النّصف الأول من القرن الماضي.

بعزيز
بعزيز

يعتبر رشيد قسنطيني (اسمه الحقيقي رشيد بن لخضر 1887 ــــ 1944) أحد رواد الأغنية السياسية في الجزائر. اشتهر باستعادة ألحان أغان قديمة شهيرة وإعادة توزيعها مع كلمات ناقدة للنّظام الكولونيالي الفرنسي، محملاً إيّاه مسؤولية الوضع المزري الذي عرفه الشعب الجزائري آنذاك. ينسب إليه الباحثون أسبقية تأسيس نمط «الأغنية السياسية السّاخرة» التي انساق إليها المغني محمد توري (اسمه الحقيقي محمد بن عاسي (1914 ــــ 1959). ويعتبر هذان الاسمان من الرّعيل الأول لنمط غنائي سمح ببروز أجيال متعاقبة تكشف عن التزام بكشف سلبيات السياسة الكولونيالية. وقد مسّ الخطاب نفسه الأنماط الغنائية المختلفة، وخصوصاً الأغنية البدوية في الخمسينيات، ممثلة بالشّيخة الريميتي (1923 ــــ 2006) التي تجرأت عام 1956، على انتقاد الحكومة الفرنسية، في أحد الكباريهات في مدينة وهران. والحال نفسه مع الشيخ المداني وخيرة قنديل الذين سخّرا صوتيهما لنقل هموم الشّرائح الاجتماعية المضطهدة. مع اندلاع الثورة التحريرية (1954)، حاولت جبهة التحرير الوطني توظيف الموسيقى في خدمة قضيتها، ووجدت لاحقاً في صوت الرّاحلة وردة سبيلاً لتمرير رسائلها. والتحق بها، في نهاية الستينيات، المغني رابح درياسة الذي تندرج أغانيه في خدمة شعارات الحزب الحاكم. شهدت السبعينيات والثمانينيات، ركوداً على مستوى الانشغالات الجماهيرية. ومع ولوج البلد حالة فوضى بعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف (1992) وتطوّر نشاط الجماعات الإسلاموية وبروز العمليات الإرهابية واغتيال المثقفين، برزت حساسيات جديدة على صعيد الأغنية السياسية،  خصوصا مع انتشار الرّاب، ويمثّل بعزيز (عبد العزيز بختي) أهم اسم في مجال الأغنية السياسية في أواخر الثمانينيات، اِشتهر بالعديد من الأغاني الملتزمة منها «يا حسرة كي كنت صغير» و«جومون فو» (بمعنى سئمت). وقد تحوّل هذا المغني منتصف التسعينيات إلى ناطق باسم شريحة واسعة من الطبقة البسيطة من المجتمع الجزائري. يعرفه الجميع بقبعته الخاصة وقيثارته التي ترافقه في كل مكان. في 1999، أطلق بعزيز مشروع أغنية «لالجيري مون أمور» (حبيبتي الجزائر) واستطاع أن يجمع أهم المغنين الجزائريين المقيمين في فرنسا، على رأسهم الشاب خالد. أغنية بثّها التّلفزيون الرّسمي مرّات عديدة، حتى ملّ منها المشاهد. لكن، بعد سنتين، وتحديداً في شتاء 2001، أُقرّ «الحظر» على بعزيز ومُنع بثّ أغانيه. والسبب أنّه تجرأ ــــ ضمن البرنامج الفني «مسك الليل» الذي كان يُبثّ مباشرة

أمازيغ كاتب
أمازيغ كاتب

على التلفزيون الجزائري ــــ على أداء أغنية تتهجّم على السلطة السياسية وجنرالات الجيش الجزائري. هكذا، ومنذ عام 2001، فُرض الحظر على أشرطة بعزيز التي راحت تتداولها الأسواق الموازية. و من بين الأسماء الأخرى التي تحاول أن تجمع بين الإبداع الموسيقي، والالتزام بالرّاهن السياسي، نذكر أيضا أمازيغ كاتب (نجل كاتب ياسين) الذي أدى أغنية «يا لايمي» وانتقد فيها سياسة الحكومة في تسيير الملف الأمني خلال التسعينيات، واليوم، بفضل تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت أعمال فنية جديدة، لشباب غالبا ما يختفي خلال اسماء مستعارة، ينتقد السّياسة بالكلمة واللّحن، وهوما يبعث روحا في الأغنية السياسية الملتزمة في الجزائر التي تسعى إلى أن تجد مكاناً لها، من خلال مواصلة العمل، ولو ببطء، متكئة على تفاعل الفئات الشبابية، والإيمان بصدقية رسالتها.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.