السبت، 24 أغسطس 2019

يوم تعلّمت آسيا جبار ركوب الدّراجة

خاص بالموقع

آسيا جبار
آسيا جبار

آسيا جبار هي أول عربية تدخل الأكاديمية الفرنسية، تلك المؤسسة العريقة التي اِخترقت أسوارها صيف 2005، وجلست تحت قبّتها التي شهدت مرور كُتّاب كبار، على غرار فرانسوا مورياك و جوزيف كاسال. كما كانت الرّوائية نفسها أكثر الأسماء العربية تداولا في أروقة أكاديمية نوبل في ستوكهولم، خصوصا خلال السنوات الستّ الماضية.

ظلت آسيا جبار (أو فاطمة الزهراء إيملحاين)، على اِمتداد سنوات طويلة، محافظة على الطّباع نفسها، ترفض الخوض في المكاشفات الإعلامية، وتفضّل مخاطبة القرّاء عبر الرّوايات فقط. لكنها تخلّت، في الرّواية الأخيرة لها «لا مكان في بيت أبي»(2007)، وهي أول رواية بيوغرافية، بمعنى الكلمة، في مسار آسيا جبار، عن صمتها، وسردت بعض المقتطفات الحياتية، من سنوات الطّفولة الأولى إلى سنّ الثامنة عشر.

تنطلق الرواية من التساؤل: «هل ستبقى الطفولة سرًا راسخًا؟ هل ستظلّ بقايا صمت؟». و هو تساؤل حرّك في نفسية الرّوائية رغبة في المُصارحة. وتنطلق في بوحها من الإشارة إلى بيئتها العامّة بمدينة شرشال السّاحلية (90 كلم غربي الجزائر العاصمة)، والمعروفة خصوصا بآثارها التّاريخية، الشاهدة على مرور الرّومان، قبل أن تحكي حقائق معيشة تكشف عن طبيعة حياتها الاجتماعية ضمن عائلة مسلمة وجدّ محافظة، حيث تروي قصة عايشتها مع والدتها: «كانت أمي الموريسكية، ميسورة الحال، وبحاجة دائمة إلى يدي تمسكها عبر شوارع العاصمة الرومانية القديمة»، قبل أن تضيف: «لمّا كنت في سنّ الثالثة، لم تكن أمي تتجاوز عتبة العشرين سنة.. ثم في سنّ الرّابعة، ثم الخامسة، أدركت أن مهمتي خارج البيت تتمثل في اِقتياد خطوات أمي و تجنبيها نظرات المارّة». لقد كانت الصّغيرة فاطمة تقود خطوات الأم التي كانت تلفّ نفسها بلباس «الحايك» التّقليدي، وهو لباس نسائي جزائري، يمنع بروز أي جزء من أجزاء جسم المرأة، كما يشكل لها صعوبات في المشي و التّحرك بتلقائية.

غلاف رواية لا مكان في بيت أبي
غلاف رواية لا مكان في بيت أبي

آسيا جبار عاشت طفولة صعبة مثل بقية بنات جيلها، وتكشف: «كانت طفولتي متحوّلة. تُضيّقها رقابة الآخرين. طفولة مكتظّة بالمسؤوليات التي تتعدى قدراتي». حياة القهر واِتساع السّلطة الأبوية شكلا ثنائية في تكوين شخصية الروائية، والتي تحكي إحدى قصص الطفولة: «في بداية سنّ المراهقة حاولت، بمساعدة أحد أبناء الجيران، تعلّم ركوب الدّراجة. بعد عدد من المحاولات الفاشلة، تمكنت، بعد جهد جهيد، من التّحكم في المقود. و ركوب الدّراجة بشكل جيّد»، قبل أن يفاجئها شبح والدها مقتربا منها، ثم يناديها بصوت عالٍ،  تلفّه مشاعر غضب. في الوقت الذي كانت تنتظر فيه الجزاء الحسن من طرف والدها، فاجأها بلهجة بحدّة: «لا أريد أن أراك مجددًا كاشفة عن ساقيك».

لم تزد مضايقات الوسط المحيط سوى عزيمة في روحها، حيث نجحت في إجتياز امتحان البكالوريا، و دخلت العام 1954 المدرسة الوطنية العليا للأساتذة، بالجزائر العاصمة، وتخصّصت في دراسة التاريخ، مبرزة، مبكرًا، ميلاً للكتابة الأدبية، والتي تجسّدت سريعا في إصدار أولى رواياتها العام1957، وهي ما تزال في سنّ الواحدة و العشرين، بعنوان «العطش»، تلتها ثلاث روايات أخرى: «المتلهفون» (1958)، «أبناء العالم الجديد» (1962) و «القبرات السّاذجة» (1967)، ثم أصدرت مجموعة شعرية ومسرحية(1969)،  وسجّلت آسيا جبار قطيعة فاقت العشر سنوات، قبل أن تعود إلى إصدار أعمالها الأدبية العام 1980، بداية مع المجموعة القصصية «نساء الجزائر في مخدعهن»، ثم روايتي «الحبّ، الفانتازيا» (1985) و «سلطان الظلّ» (1987). و تتحدث عن أسباب القطيعة سنوات السبعينيات قائلة: «عشت تلك السّنوات في البحث الدّاخلي. الاستماع إلى نساء من حولي. نساء من مجتمعي. بنات منطقتي. و نساء طفولتي. كنت، خلال تلك الفترة، أكتب، و لكن لا أنشر».

نساء الجزائر في مخدعهن
نساء الجزائر في مخدعهن

وواصلت الرّوائية رحلة الكتابة والتّعبير عن الذّات عبر روايتي «بعيدا عن المدينة»(1991) ثم «السّجن واسع» (1995). عام 1996، بينما كانت الجزائر تغرق في دوامة العنف الإرهابي، وقّعت آسيا جبار نصّا روائيا أرادته وثيقة تاريخية عن حقبة صعبة من تاريخ بلدها الأم، نصًا تحت عنوان «بياض الجزائر»، تخليدا لروح ثلاثة مثقفين راحوا ضحية همجية الآلة الإسلاموية، وهم المسرحي عبد القادر علولة و السوسيولوجي محمد بوخبزة والمحلّل النفساني محفوظ بوسبسي.

إلى جانب اشتغالها في الكتابة الرّوائية أنجزت آسيا جبار فيلمين وثائقيين إثنين: «نوبة نساء جبل شنوة» (1978)، و الذي نال، السّنة نفسها، جائزة «النقد» الدّولية في بينالي البندقية، و«الزّردة أو أغاني النسيان» (1982). كما نالت عددًا من الجوائز الأدبية  المهمة، من بينها جائزة المكتبيين والناشرين الألمان(2000) وجائزة بابلو نيرودا بإيطاليا (2005).

يقسم النّقاد أعمال الرّوائية إلى مرحلتين إثنتين: مرحلة الكتابة المستوحاة من الحياة الاجتماعية، مع ميل إلى نصرة القضايا النسائية، الممتدة بين سنتي 1957 و 1980، ثم مرحلة الرّواية القائمة على محاولة التٲريخ للهمّ العربي إجمالا، والجزائري خصوصا، ما بين سنتي 1985 و2003. وتكتب النّاقدة الكندية ميريه كال غروبير متحدّثة عن الرّوائية: «يجب قراءة و إعادة قراءة أعمال آسيا جبار بصمت. فهي تعلمنا فن الاستماع».

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.