السبت، 24 أغسطس 2019

معركة آسيا جبار الخاسرة

آسيا جبّار، عام 1977

جريمة في العراق، وأخرى في الجزائر، لأسباب مُختلفة، وبمقاسات مُتشابهة. معاذ كساسبة أٌحرق حيًّا، وبعد الإعلان عن وفاته بيوم واحد، أٌحرقت جثّة كهل ستيني، في مدينة الونزة، شرقي الجزائر. الأول رأى العالم كلّه فظاعة ما وقع له، والثّاني لم نسمع عن مأساته سوى في مقال صحافي صغير، كُتب على عجل. الجريمة الأولى غطّت على الثّانية، وتفوّقت الصّورة، كالعادّة، على كادر في صحيفة وطنية يوميّة. نعم! الصّورة أصدق إنباء من الصّحف، فبفضل صورة واحدة، صورة شاب هاوِ، اِلتقطها بيدّ مضطربة، وبدقات قلب مُتسارعة، أعدنا اِكتشاف ذواتنا، واِنتبهنا، في غمرة الاحتجاجات والاحتفالات المؤيّدة للشّريعة، أن الجزائريين يشربون البيرة، وبكميات كبيرة. كان يجب أن تنقلب شاحنة، بالقرب من بودواو، شرقي الجزائر العاصمة، لندرك مدى شغف الجزائري بالكحول، وتعطّشه له، ونتذكر أخيرًا أنّ الشّعب يشرب ليحيا.

صورة المواطن الأربعيني وهو يحمل علب بيرة، من ماركة بلجيكية مُحترمة، كان يمكن أن تتحوّل إلى آلة حادّة، يستخدمها المحافظون الجدد، للسّخرية من الرّجل، ومن شاربي الجعّة إجمالا، لكن الابتسامة المنبسطة على ثغره، وعيناه المبتهجتان، قلبت المُعادلة، وجعلت منه بطلاً رغمًأ عنه، في مشهد دخل إليه صدفة، ليحمل النّفل، بشكل ينسجم مع طبعه، فقد نال غنيمة، قد يشربها أو يبيعها بما لا يقل عن آلاف الدّينارات، وفي كلتا الحالتين، أعادنا مشكورًا إلى حقيقتنا.

الصّورة نفسها كانت مُعبرة، تختصر واقعًا نرفض النّظر إليه، وكانت، في الوقت نفسه، صادمة لأولئك الذين يرفضون النّظر إلى ما يجري حولهم بعيون آدمية، وتسلّى بها الفضاء الأزرق، في الجزائر، بشكل مُبالغ فيه، فقد نشرتها المئات من الصّفحات والحسابات الفايسبوكية، كما لو أنّ النّاظرين إليه كانوا يحسدنوه على ما وهبته الصّدفة، ويتمنون لو كانوا مكانه حينها، الكلّ تحدث عن الرّجل صاحب «استيلا»، ولا أحد سأل عن مصير الشّاحنة، ولا عن حال السّائق الذي كان يقودها.

صورة البيرة الضّاحكة جاءت في وقت غير مناسب، ففي اليوم الموالي، جاء خبر ثقيل، مُفاجئ وحزين: وفاة «أديبة الجزائر الأولى» آسيا جبار، أو فاطمة إيملحاين، التي كسبت، في وقت قصير، كلّ معاركها الأدبية، وحقّقت ما كانت تفكّر فيه وهي صغيرة في العشرين، لكنها خسرت معركتها الأيديولوجية، فقد راحت ضحية الجيل الأول من «التّعريبيين» في الجزائر، لقد أخرجوها من المشهد الدّاخلي، كما فعلوا قبلها مع محمد ديب وجان سيناك، ولم يكتفوا بذلك، بل حاولوا الطّعن في سمعتها، وتشويه أدبيتها. كانت آسيا جبار سنوات الشّاذلي بن جديد كوكبًا مُختلفًا، لم تكن تدور في فلك الحزب الواحد، كانت مزعجة ومُستفزة، وتوجّب الأمر أن ينطلق نباح الشوفينيين عاليًا، في الصّحف أحاديّة الخليّة، لتفهم أن نجاحاتها تغذي نوايا الآخرين السيئة، وأن أدبها لم يجعل منها سوى كاتبة غير مرغوب فيها، ووقعت للأسف في مصيدة الخلط بين التعريبيين والعربية، ورفضت طويلا أن تُترجم نصوصها إلى العربية، أوأن تتصالح هي مع هذه اللّغة، ولعب الطّاهر وطار ، ومن كان حوله، دورًا في التّعتيم عليها، لكن الأدب العالمي أنصفها وأعادها إلى بلدها سيدة أولى، ومن الأكيد أن رحيلها سيرفع من أسهمها، خصوصا بين قراء الأجيال الجديدة.

من فظاعة تنظيم الدّولة الإسلامية إلى فداحة فقد آسيا جبار، ما تزال ابتسامة الرّجل صاحب «استيلا» تتردّد، هنا وهناك، لقد نقلتها صحف أجنبية، وعلّقت عليها بسخرية جادّة، والأهم من ذلك أن نجحنا أخيرًا في تصدير ابتسامة إلى العالم، لعل العالم يبتسم لنا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.