الإثنين، 27 مايو 2019

عمارنة: أبكي على ميموني!

جيلالي عمارنة
جيلالي عمارنة

بعد أيّام قليلة، تحلّ ذكرى ميلاد جيلالي عمارنة (1962-2010)، ذلك العصامي القلق، الذي ساهم في تأريخ مرحلة مفصلية من مسيرة الرّاي سنوات الثّمانينيات، واستطاع أن يزاحم أشهر الشّيوخ ونجوم البدايات.

بعد رحيل جيلالي عمارنة، في ظروف جيد قاسية، ومعركة لم تدمّ طويلاً مع السرطان، طوت أغنية الرّاي صفحة مهمة من تاريخها المعاصر. فابن سيدي بلعباس قضى أكثر من خمسة وعشرين سنة يبحث عن سبل إخراج الرّاي من المحلية إلى آفاق أرحب، من خلال تجديد أنماط التّلحين، والمزج بين الآلات التقليديّة والموسيقى الغربية، خصوصا منها الرّوك والبلوز.

لما شرع جيلالي (اِسمه الحقيقي جيلالي رزق الله) في الغناء كانت موسيقى الرّاي لا تؤمن بأكثر من عرّابين إثنين: الشّيخة الريميتي(1923-2006) وبلقاسم بوثلجة(1951-). كان صغيرًا، يعشق التّجريب ويحلم بقلب رجل كبير. اِلتحق، في حدود سنّ الرّابعة عشر، بفرقة موسيقية هاوية، اِنطلقت في إثبات ذاتها من إعادة تأدية نصوص شيوخ البدوي وأغاني الطّابع الوهراني، اسمها «Choc» (الصّدمة)، قبل أن يلتقي لطفي عطار، قائد الفرقة الشّهيرة «راينا راي»، التي اِنضم إليها سنة 1983، وذلك بعد رحيل المغني قادة غباش، وأدى مع الفرقة نفسها أشهر نجاحاتها، منها خصوصا «الزّينة» و«هكذا»(1983)، التي تمّ إدراج مقاطع منها في الفيلم الفرنسي الشّهير «تشاو بانتين»، للمخرج كلود بيري، الذي شارك فيه الجزائري محمود زموري، ونال خمس جوائز سيزار (1984).

تمنى جيلالي مواصلة المشوار، لكن رحلة «راينا راي» لم تدم طويلا وأعلن لطفي عطار القطيعة وأسّس، مصطحبا معه جيلالي، «فرقة عمارنة» (نسبة إلى عرش العمارنة)، واضعًا قواعد نمط موسيقي حديث، حيث  تجتمع القصبة مع القيثارة الكهربائية، ويتزاوج الرّاي والروك، ويتعانق صخب الموسيقى مع هدوء الكلمات. ووجدت الفرقة لنفسها طريقا، وسبيل نجاح، بمساعدة المنتجين رشيد وفتحي بابا أحمد، من تلمسان، واللّذان تكفلا بتسجيل أهم أغانيها، الموقّعة بصوت جيلالي، منها «ما صرا لي» و«خلوني نبك»، «وادي الشّولي»، وخصوصا «ماما»(1988)، التي غناها، لاحقا  جيلالي، مرّة ثانية، مع «راينا راي»، التي استعادت شملها عام 1990، مع عودة المتمرد لطفي، والذي اِستمر في العمل مع جيلالي إلى غاية 2001. وأصدر معه ألبوما «زعما» (1993) و«باي..باي»(2001).

جيلالي أقصى اليسار
جيلالي أقصى اليسار

ليالي سيدي بلعباس البيضاء وسهرات وهران الطويلة أجهدت جيلالي. أرهقته. أصيب بسرطان المعدّة ولم يشعر الآخرون بمعاناته. وجد نفسه، في نهاية المسيرة معزولا، محاطا سوى بأولاده الأربعة (عبد الرزاق، فيصل، إكرام وعبد القادر). اِشتد عليه الألم، قربت السّاعة وانشق الرّجاء وغادر العالم كما جاء إليه وحيدا. وآخر وصية حملها معه وصرّح بها: «أنا الفنان جيلالي رزق الله، لم أقم بشيء خارق للعادّة، حاولت فقط الحفاظ على تراث الرّاي العريق، وأتمنى أن يُواصل من يأتي بعدي نقل الرّسالة نفسها. إنها سُنة الحياة».

رحيل جيلالي في ظروف صعبة، أخرج الشّاب نصرو من عزلته، و أعاده من غربته الأميركية ليحمّل وزارة الثّقافة مسؤولية الوضعية المزريّة التي وصل إليها الفنان إجمالا، في الجزائر، كما أعادت وفاته الحديث عن إرثه الفني، وأهمية إعادة بعثه، ومواصلة ما بدأ عليه جيلالي رزق اللّه قبل أكثر من 35 سنة من الآن.

.

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …

حسنة البشّارية: صنعت قيثارتها من علبة خشبية ومقبض مكنسة

تمسك حسنة البشّارية (1950-) آلة القمبري، بين يديها، تصمت قليلاً، ثمّ تُشير إليها وتهمس: «هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.