الثلاثاء، 22 أكتوبر 2019

مناورات بوعلام صنصال

النّقد لا يتوقف عن مطادرة بوعلام صنصال، علاقة الكاتب مع أبناء بلده جدّ مضطربة، كثير من المغالاة و قليل من الموضوعية في الحديث عنه في الصّحف. بدل السّير في خطّ أحادي، يبدو من الأفضل أن نعبد قراءة أعماله.

بوعلام صنصال
بوعلام صنصال

بوعلام صنصال (1949) يعتبر نفسه خليفة الروائي رشيد ميموني (1945-1995). بحكم أنهما كبرا في المدينة نفسها (بومرداس، غربي الجزائر العاصمة)، فقد ربطت بينهما علاقة صداقة جد وطيدة. لكن اًِسم صنصال لم يبرز على السّاحة الأدبية سوى عام 1999، مع صدور روايته  الأولى «قسم البرابرة» (غاليمار – باريس)، التي تسرد قصة عبد الله، الذي يعود إلى الجزائر بعد عقود طويلة من الغياب، ويتحسّر على تدهور وضع البلد الذي فقد جانبا مهما من خصوصيته مقارنة بما كان عليه سنوات الخمسينيات، مع تقلّص رغبة الأهالي في مواصلة العيش فيه. رواية إعتبرها البعض مُمجّدة للاستعمار ولفئة الأقدام السوداء. اِنتقدتها بعض الصّحف اليومية وصبّ عليها الروائيان إبراهيم سعدي وأمين الزاوي جام غضبهما في ندوة ثقافية بالمكتبة الوطنية الجزائرية، خصوصا بعد ترجمتها إلى العربية (2003). رواية أولى منحت صاحبها «جائزة أول رواية» في فرنسا، و«جائزة المدارين»، كما جلبت له كثيرا من البلاء، حيث صرّح معترفا:«لما كتبتها لم أكن بتاتًا أفكر في إمكانية نشرها». وتلتها ثلاث روايات أخرى، صدرت كلها عن غاليمار، لم تلقى الرّواج ولم تحدث الضّجة نفسها: «الطفل عاشق الشّجرة العتيقة»(2000)، «حدّثني عن الجنة»(2003) و«حراڤة»(2005)، التي حاول من خلالها إعادة التّفكير في قضية الهجرة غير الشرعية من شمال إفريقيا إلى جنوبي أوربا.

غلاف رواية قرية الألماني
غلاف رواية قرية الألماني

لكن الرواية الخامسة وما قبل الأخيرة لصنصال فتحت جراح التاريخ عميقا وأعادت التّساؤل عن المستور في الثورة الجزائرية. حيث يسرد في «قرية الألماني أو مذكرات الأخوان شيلر»(2008) علاقة ضابط سابق في الجيش النّازي بقيادات جبهة التّحرير الوطني في الجزائر. ويربط صنصال بين الثّورة الجزائرية والنّازية، وذهب حينها بعيدا في تصريحاته لما قال: «وقائع الرّواية مُستمدة من قصّة حقيقية. سبق أن زرت مطلع  الثمانينيات قرية شرقي الجزائر يطلق عليها الأهالي تسمية قرية الألماني، عاش فيها ضابط نازي سابق، لجأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية إلى مصر وأرسله جمال عبد الناصر في مهمة دعم ومساعدة الثّوار في الجزائر». الرواية لاقت مصير المنع. وتحاملت عليها كثير من الصّحف اليومية في الجزائر، دونما الإطلاع عليها. وتساءلت وقتها إحدى الجرائد اليوميّة على صفحتها الإفتتاحية:«هل بوعلام صنصال خائن؟». بالرّغم من القيمة الفنيّة، جمالية الأسلوب والقدرة على القصّ التي تضمنتها الرّواية، فقد صارت ، في الجزائر، موصوفة بالرواية المزيفة للتاريخ.  وبدل مناقشتها والتأكيد أو نفي فرضياتها تدير النّخبة ظهرها لصنصال وتتفادى الالتزام بمسؤولياتها.  مع العلم أن «قرية الألماني» لاقت الرّواج والانتشار المطلوبين في فرنسا، وفي أوربا إجمالاً، خصوصا بعد ترجمتها إلى الألمانية. ونالت جائزة «RTL-Lire»، الجائزة الكبرى للفرانكفونية وجائزة نسيم حابيف التي تمنحها الأكاديمية الملكية البلجيكية للغة والأدب الفرنسي.

اشتهر صاحب «الجزائر، رسائل لم ترسل» بالخيارات الجدلية، وبإثارة الحساسيّات. معروف عليه معاداة الجماعات الإسلامية المتطرفة، حيث صرح قائلا: «صارت الراديكالية الإسلامية جد عنيفة في مواقفها. من الواجب اليوم تحرير الإسلام وإعادته إلى سياقاته الرّوحية». كما سبق له المشاركة في معرض باريس للكتاب(2008) الذي احتفى بإسرائيل كضيف شرف. وبرّر يومها المشاركة: «الأدباء ليسوا سياسيين. لا أرى سببا لمقاطعتهم»، ولكونه أديبا وليس سياسيًا فقد زار إسرائيل(2012)، وشارك في الطبعة الثالثة من «مهرجان الكتاب» بالقدس المُحتلة، وعلّق في مقال صحافي: «ذهبت إلى القدس.. وعدت منها سعيدًا ومطمئنا»، وجلب لنفسه اللّعنات والويلات. وصنصال لا يرى، في الوقت نفسه، حرجًا في مقاطعة الصّحافة الجزائرية، حيث يرفض الإدلاء بأي تصريح أو حوار في الجزائر، ويتحامل عليها ويحملّها سبب تشويه سمعته في الدّاخل. مواصلا الكتابة بشكل منتظم في الصّحف الفرنسية، حيث لا يفوت فرصة لانتقاد الإسلامويين، والنظام الحاكم في الجزائر، متهما إياه بالرّشوة والفساد.

آخر رواياته «شارع داروين»(2011)، صدرت مع تسلّمه جائزة السّلام للمكتبيين الألمان (قيمتها 25000 أورو)، حيث جاء في بيان لجنة التحكيم: «الجائزة تكرّم مثقفا تجرأ على انتقاد الوضع السياسي والاجتماعي في بلده». من جهته، أهدى الكاتب الجائزة للشّعوب العربية المناضلة من أجل تأسيس الديمقراطية، دونما إخفاء امتعاضه من ركود الوضع في الجزائر، مع عجز المعارضة على مواجهة تعسف السلطة واستبداد دوائر الحكم المغلقة.

بيوغرافيا الصّمت

غلاف رواية شارع داروين
غلاف رواية شارع داروين

في رواية «شارع داروين» نصطدم بصورة مختلفة عن الجزائر التي نعرفها. نطلّع على تاريخ آخر يناقض الرّوايات الرسمية، تاريخ يطعن في بعض مسلمات ما بعد ثورة التحرير، ويسافر بعيدا بحثا عن أصوات الدياسبورا المتعدّدة.

بعد وفاة أمه، يعود بطل الرواية «يزيد» إلى شارع داروين في حي بلكور الشّعبي، وسط الجزائر العاصمة، هناك حيث يستعيد بعض ذكريات الطفولة، بداية من سنوات الخمسينات ووصولا إلى التّسعينيات. يستعيد أجواء الثّورة وسطوة الجدّة «لالة سعدية»، التي كسبت جاها ومالا بفضل تسيير ماخور حيث وُلد يزيد من أب مجهول، في إحدى القرى غربي الجزائر. شخصية الجدّة تستحوذ على النّصيب الأهم من ذكريات البطل. يتذكرها في أدق تفاصيلها ويتساءل باستمرار عن مكامن نجاحها في بسط سلطتها، ومنطقها الحاكم في مجتمع بطريركي، وعن علاقاتها بالقيادات السياسية في البلد آنذاك، ثم يطرح على نفسه أسباب تجريدها من جلّ ممتلكاتها بعيد الاستقلال، بحجة تطبيق سياسة التأميم.

لما وصل يزيد إلى شارع داروين قادما إليه من الماخور، كانت معركة الجزائر قد بلغت أوجها. يتذكر بعض العمليات التي كانت تنفذها كتائب جيش التحرير وردود الفعل العنيفة التي بدرت عن السّلطات الفرنسية. فترة لم يكن له فيها كثيرا من الخيارات حيث تجنّد بسرعة في العمل السّري إلى جانب المجاهدين، بنقل الرّسائل وبعض قطع السّلاح. حينها كان الحلم يكبر يوما بعد الآخر من أجل تحرير البلد وبناء جزائر جديدة. ولكن الخيبة حلّت سريعا سنوات قليلة بعد الاستقلال، حيث يقول: «الآمال الكبيرة التي بناها النّاس ذابت كالملح في الماء. كنت أبلغ حينها ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا. لم أكن أفهم الشيء الكثير في السّياسة. لكنني أدركت أن الشّقاء سيكون قدرًا محتومًا علينا». هذا الشّقاء سيتواصل إلى غاية سنوات التسعينيات لما يحكي الرّاوي جزء من تجربة الدّم ومسلسلات الاغتيالات التي كانت تنفّذها الجماعات الإسلامية. عبثية حياة يزيد لم تتجسد فقط في سوداوية الواقع، بل أيضا في حالة الشتات التي يعيش فيها إخوته وأخواته من أمه والذين فرّوا جميعا إلى أوربا وإلى أمريكا بحثا عن حياة أفضل، وبقي هو وحده يصارع ذكريات الماضي في الجزائر العاصمة.

«شارع داروين» وسيرة يزيد تتقاطع في بعض أجزاءها مع سيرة المؤلف. بطل الرواية وُلد أيضا عام 1949. هي ربما جزء من بيوغرافيا صنصال التي يرفض الإقرار بها، ترصد خمسين سنة من تاريخ الجزائر المرصع بالخيبات. تحكي أحلام جيل ما بعد الاستقلال المبعثرة. وتنتقد بصراحة الحكومات والسياسات المنتهجة منذ 1962.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.