الخميس، 18 يوليو 2019

عزلة رشيد بوجدرة

رشيد بوجدرة
رشيد بوجدرة

اِسم رشيد بوجدرة يكاد يكون مرادفًا للجدل، فصاحب «الحلزون العنيد» لا يفوت فرصة واحدة دون التّهجم على منتقديه، وفضح خصومه الأدباء وغير الأدباء علنية، و قد كان منسجمًا مع نفسه، في الأسابيع الماضية، لما هاجم كمال داود في السرّ والعلن، مع إن كمال داود كان أكثر حكمة منه ولم يردّ على استفزازته. خرجات بوجدرة الإعلامية المفاجئة وتصريحاته الحادّة سببت له مشاكلا، ورفعت من عدد أعداءه، ولكن، خلف صورة الكاتب النّقدي والرّوائي المُجدّد في الأدب المغاربي، يعيب كثيرون على بوجدرة مرونته في التّعامل مع السّلطة الرّسمية في الجزائر، وقربه غير المبرّر من بعض الجنرالات، مثل الجنرال خالد نزار(وزير الدّفاع الأسبق).

بوجدرة(74 سنة) هو شاهد على كبريات التحوّلات التي عرفتها الجزائر بعد الاستقلال(1962)، وكاتب عاشر ﺃهم ﺃسماء جيل المؤسسين (كاتب ياسين، محمد ديب وغيرهم) كما إنّه واحد من الرّوائيين القلائل الذين رفضوا التّخندق في اللّغة الفرنسية، وظلّ يزاوج بينها وبين العربية، فبعد مجموعة شعرية ﺃولى بعنوان «لنغلق ﺃبواب الحلم»(1965)، ﺃصدر عددًا من الرّوايات، التي حاولت كسر طابوهات اِجتماعية وسياسية وتاريخية، مع ﺇصرار على «قتل الأب» ولو رمزيًا، وضعت صاحبها على واجهة المشهد الرّوائي الفرانكفوني ﺇجمالا، مثل «التّطليق»(1969)، «ﺃلف عام وعام من الحنين»(1979)، التي حاكى فيها الواقعية السّحرية الأميركو لاتينية، و«توبوغرافيا مثالية لإعتداء موصوف»(1986)، ﺃما ﺁخر رواية له فحملت عنوان «الرّبيع»(2014)، وهي رواية من المفروض ﺃن يكون قد أتمّ بها عقد نشر رواياته مع دار النّشر الفرنسية (Grasset)، حيث عبّر الرّوائي نفسه، في وقت سابق، عن نيته في العودة ﺇلى الكتابة بالعربية، وهو ﺃمر لن يعجب روائيين يكتبون بالعربية في الجزائر، نظرا للانتشار والاقبال الواسع على روايات بوجدرة في البلد. ففي 1986، ﺃصدر رواية «التّفكك» بالعربية وﺃثار حساسية الرّوائي الطاهر وطار(1936-2010)، الذي خاصمه ﺇلى آخر يوم من حياته(ورفض بوجدرة، من جهته، حضور جنازته)، وخصوم صاحب «فوضى الأشياء» اليوم كُثر، أهمهم هو نفسه، ثم المخرج محمد لخضر حمينة، الذي نفى مشاركة بوجدرة في كتابة سيناريو «وقائع سنين الجمر»، والرّوائي ياسمينة خضرا، والذي جرّده صاحب «فندق سان جورج» من صفة الكاتب ولم يعترف بنجاحاته.

غلاف رواية التفكك
غلاف رواية التفكك

بالموازاة مع الحساسيات الأدبية، والخصومات الفكرية، فإن رشيد بوجدر ظلّ، طول الأربعين سنة الماضية، حاضرًا وفاعلاً في الحياة اليومية، خصوصا على الصّعيد السياسي، فسنوات التّسعينيات، بينما كانت الجماعات الإسلامية تستهدف المثقفين والصّحافيين، فضل الرّوائي نفسه الانسحاب ﺇلى الصّحراء، والعيش في مدينة تيميمون الجنوبية، بدل الهروب ﺇلى الخارج كما فعل الكثيرون، ونشر وقتها مانيفستو حاد اللّهجة بعنوان «فيس الكره»(1991، نسبة ﺇلى اِسم الجماعة الإسلامية للإنقاﻨ)،ولم يغفر الرّوائي، لحدّ الساعة، للجماعات الإسلامية المسلحة «خطيئتها» بزج البلد في حرب دموية، كما إن روحه «الاندفاعية» ويساريته وتمسكه بقناعاته الشيوعية، عكر صفو علاقته باللّوبيات الثقافية الباريسية، وبعدما كان الاسم «الأرقى» بين كتاب الجيل الثاني من الكُتّاب المغاربة في فرنسا، مطلع الثمانينات، بدأت شعبيته في التّراجع شيئا فشيئا، وبلغت أدنى مستوياتها نهاية التسعينيات، واِزدات حدّة التّعتيم عليه بعد مقاطعته معرض باريس الدّولي للكتاب (2008)، بسبب استضافة المعرض نفسه لإسرائيل كضيف شرف، وهو المعروف عليه دفاعه عن القضية الفلسطينية، موقف عبر عليه في كتاب «يوميات فلسطينية»(1972). وبعيدًا عن الكليشيهات و الاختصارات الضّيقة التي تحصر رشيد بوجدرة في الكتابة الروائية الإيروتكية، فإن الرّجل ساهم، بشكل واع، في هدم كثير من الطّابوهات، خصوصا منها الاجتماعية والسّياسية في جزائر ما بعد الاستقلال، وحاول الحفاظ على مسافة بينه وبين السّلطة، لكنه لم ينجح تماما في مسعاه، وهو يعيش اليوم شبه عزلة في الدّاخل، مشتتا بين الجزائر والمغرب، البعض يقول إنه كبر ولما يعد قادرًا على تقديم الجديد، وبعض آخر يعتقد بأنه اِنصرف كلية عن الابداع، ولكن، كما تعوّدنا عليه، فإن بوجدرة لا يتوقف عن مباغتة القارئ بكتاباته المُستفزة والمثيرة للأسئلة، وبالتّالي، فإنه عودته القادمة للرّواية ربما لن تكون ﺃقلّ قيمة مما عهدناه عليه في السّابق.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.