الأحد، 9 أغسطس 2020

أفلام ذات منفعة عامّة

مقام الشّهيد
مقام الشّهيد

أمام المكتبة الوطنية بالحّامة، في الجزائر العاصمة،  وقف م.م (60 سنة)، وهو منتج جزائري معروف، عاد إلى البلد بعد ما يقارب الـثلاثين عامًا قضاها في باريس، مرافقا نجوم الأغنية الأمازيغية الأوائل من شريف خدّام إلى إيدير وآيت منقلات..كما رافق أيضًا الشاب خالد والشاب مامي، وعمل مع أسماء كبيرة في فرنسا، بخلاف النجوم اللذين التقاهم في مسيرته بين أمريكا وفرنسا، وقف وأشار إلى نصب «مقام الشّهيد» المرتفع فوق رؤوسنا وقال: «لقد بنوه لدفن عصر كامل.. عصر بومدين. في السّبعينيات» قال لي، لم يكن أحد يجرؤ على تسريحة شعر على طريقة جيمي هندريكس أو جيم موريسون… يقصونه لك! من «هُم»؟.. «هُم» وكفى!

«في بداية السّبعينيات كان النّاس تحت المراقبة، وكانت الأوضاع الاجتماعية صعبة. لكن مع الوقت صدّقوا هم أيضا أنّها كانت فترة جيدة. مع الشّاذلي تغيّرت المعطيات، تصوّر «مركزًا تجاريًا» في بلاد كان الموز مفقودا فيها، شيء لم يكن أحدًا يتصوّره. قبّة للترحّم على الشهداء، وبجنبها مركز تجاري. ثم صعود الراي، وحفلات النجوم الجُدد اللذين طاروا إلى فرنسا بعد ذلك: خالد، مامي، صحراوي، فضيلة».

مع الشّاذلي توافرت أسباب داخلية كثيرة لتتغيّر ملامح المجتمع «الشّاب» آنذاك. جاءت طبقة سياسية جديدة أو شلّة جديدة، وصار يُسمح للضغط، الذي مورس في السنوات السابقة، أن يتنفّس، وتمثّل ذلك الأمر بالاحتجاجات، الاضرابات، الرّبيع الأمازيغي، إلخ، التي ظهرت مع بداية الثمانينيات، حتى إنفجرت في الخامس أكتوبر/تشرين الأول 1988، بعد هذا التّاريخ، الذي كان مثّل أوّل ضربة لدولة التّحرّر الوطني (الدولة التي قامت مع الاستقلال، 1962)، خرج النّظام إلى «التّعددية»، وفتح القطاع الخاص، وسمح بفتح صحف مستقلة، و«أُعطيت» حرية التّعبير، إلخ. كل هذه الامتيازات كان للنّظام دور أساسي فيها، مع تحكّمه في توزيع الإشهار على الصّحف مثلاً… أمثلة كثيرة، تؤكّد شكلية التّغييرات.

منذ الاستقلال، يُخاطب الجزائريون، بشكل مباشر (أو غير مباشر) من طرف السّلطة، وعبر وسائلها العديدة من الكتب المدرسية إلى وسائل الإعلام الرسمية، يُخاطبون بوصفهم كتلة كبيرة واحدة اِسمها: الشّعب. والحاكم وصيّ (بشكل أبوّي) على هذا الشّعب، بحكم الثورة التي خاضوها سوّيا، وبحكم الشّعار الذي كُتِبَ على الجدران وعلى الأبواب: «بطلٌ واحد… الشعب». وبحكم الخطابات التي كانت تقول بشكل عام للجزائري «ارتح بعد ثورتك، واحنا نحكمو ونخدموك»، والتي تسمح للحاكم بأن يتقرّب من الشّعب في خطاباته بشكل أبوي مرّة أخرى، ليصير هو الشعب، والشعب مجسدٌ في إرادته. الوصاية الأبوية، التي لم تهتز ثقتها بنفسها حتى التسعينيات، أرادت حمل هذا «الشّعب» إلى برّ الآمان، ولم تقدّر حتى بعد أحداث الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988 أنّ هذا «الشّعب» قد وصل إلى مرحلة نضج وغضبٍ، قد تؤدي الوصاية عليه إلى ما هو أسوأ. ظلّت الوصاية الأبوية تتعامل مع «الشعب» باعتباره اِبنا عاقًا يجب إرشاده وتقويمه.

قناة إرسال أحادية المسار

عثمان عريوات
عثمان عريوات

كانت التّلفزة الجزائرية الرّسمية (ولا تزال) تتوّجه لـ«شعب» لم نعد نعرفه، وتتكلّم من منبر صار بعيداً عن زمننا. تمامًا مثل الكتب المدرسية، تردّد التلفزة الرسمية لغة خشبية غريبة، بعيدة عن مفهوم التّغذية والتّغذية الرجعية، قناة إرسال أحادية المسار، تُرسل ولا يهمها أين يذهب إرسالها، لن يهمها حتى لو اصطدم بالجدار. وعبر تاريخ هذه التلفزة، عرف الجزائريون في السّينما الأفلام التلفزيونية فقط المُنتجة وطنيا (أو أفلاما «غريبة» أمريكية، إجتماعية كما كانت تصفها جدّتي)، التي انحدر مستواها من السّبعينيات إلى اليوم بشكل لا يمكن تصوّره. وحتى عندما صارت الصّالات السينمائية (القليلة جداً) تعرض أفلاما جزائرية جديدة بعد التسعينيات، لم يعرض فيلم واحد على التلفزة الرسمية، بل اكتفت بأفلامها التلفزيونية.

أحد نجوم هذه الأفلام، والذي أثّر كثيراً في الثّقافة الشعبية من خلال الشّخصيات التي جسّدها، وصارت مقولات هذه شخصيات تستعمل في الدّارجة كأمثال وحكم، هو عثمان عريوات(1948-). الرّجل قصير القامة ذواللّكنة البدوية، المْنِرْفِي (الغاضب) الذي يعبّر إلى حدّ ما عن تصوّر خاص بالجزائريين عن أنفسهم. سردية كبرى عن الجزائري «المْقَوّد».. وليس من باب الصُدفة أن تكون أشهر أعمال عثمان عريوات والتي بقيت مثل «الكلاسيكيات» قد صوّرت بين عامي 1989-1994 رغم أن الرجل بدأ التّمثيل سنة 1963. نذكر أربعة أفلام من هذه الفترة: الطاكسي المخفي (1989)، عايلة كي النّاس (1992)، اِمرأتان (1992) وكرنفال في دشرة (1994). تشترك كلّها في كونها أفلام منفصلة عن بعضها البعض، وتعبر بشكل سيريالي عن الواقع الذي صُوّرت فيه، رغم أنّها كانت تقدّم على أنّها أفلام «تُعالج» الواقع.

من فيلم كرنفال في دشرة
من فيلم كرنفال في دشرة

سنحاول التّركّيز على الفيلمين الأولين. ففي الثالث لعب عريوات دور أبّ يتزوج مرّة ثانية ويهمل زوجته الأولى وأولاده، وينتقم منه إبنه في الأخير. و«كرنفال في دشرة» للمخرج محمد أوقاسي (الذي يعتبر من أسوأ الأفلام، إذ صوّر في دشرة منسية ومن دون إطارات تصويرية، كل شيء كان ارتجاليا، وأهل الدشرة يتدخّلون في الصّورة ويقفون خلف الممثلين) يحكي عن إنتخابات بلدية ستجري، وكيف يتّم التّلاعب بالناس والأصوات، ليحكم في الأخير السي مخلوف البومباردي (عثمان عريوات) وشلّة فاسدة (تكوّنت من ممثلين سيشكلون لاحقًا أبرز وجوه الكوميديا الجزائرية كصالح أ

وقروت ولخضر بوخرص وغيرهما). عندما نرى طريقة تصوير الفيلم (دون أن ننسى أنّه صوّر في 1994) نفهم كيف تنظر السلطة إلى «شعبها». كاميرا موضوعة في دشرة منسيّة، حيث يقف الناس وراء الممثلين وهم يلعبون كأنهم يتفرجون على عراك. الفيلم قام على فكرة أنّه يمكن أن نصوّر فيلما «تلفزيا» من دون أي شيء إلاّ «موهبة عثمان عريوات»، موهبته في إضحاك النّاس التي تحوّلت مع الوقت إلى أيقونة، التي لم تُساءل، ولم تُربط بالسياق الذي جاءت فيه..

المواطن الصّالح

في الطاكسي المخفي (1989) نرى قصة ثمانية مسافرين، على جانب طريق في منطقة واقعة بين الرّيف والصّحراء، يقفون في العراء، إلتقوا في نقطة ما، يريدون الذهاب إلى الجزائر العاصمة. كل واحد منهم جاء من مكان معين. عمي حسان الذي يبدأ الفيلم وهو يقف أمام قبور رفاقه في السّلاح الذين استشهدوا، جاء يزورهم ككلّ سنة، يترحم  عليهم ويتذكر الثورة. تنتقل الكاميرا بعدها  إلى حميد خريج الفنون الدرامية الذي أنهى خدمته العسكرية كمواطن صالح، يسخر في العراء، غير بعيد عن الثكنة التي تركها، من حركات الجنود في التحيّة العسكرية. ثم نرى عزيز وصفية الطبيبان، اللذان يقومان بسياحة في الصحراء، يلتقطان صورا بينما تنطبق أغنية راي من الراديو. الراي الذي بدأ يدخل البيوت عبر التلفزة الرسمية لأول مرّة. بعدها نرى ثلاث شخصيات محورية: محفوظ (عثمان عريوات) يتجوّل في الأسواق كـطبيب شعبي أو دجال، عاجز عن مداواة نوبات الصرع التي تصيبه، «الحاجّة» التي تشتغل في كل شيء من قراءة الكفّ إلى البيع بالتقسيط في السّوق السوداء ومعها اِبنها، ضخم الجثة، المتخلّف عقليا وصاحب الجملة الشهيرة «يمّا حبّيت نتقيا!»، وأخيرًا قويدر الزدّام مربي الماشية، «الشَرَّ» الوحيد وسط كل تلك الشّخصيات الطيبة، التي تتراوح بين الاعتدال والسذاجة أوالدروشة كما هي حالة محفوظ (عثمان عريوات).

من فيلم الطاكسي المخفي
من فيلم الطاكسي المخفي

بعد رحلة طويلة يقودهم فيها «الكلوندستان» عبد الله الذي يعمل بشكل غير رسمي، الأمر الذي يدفعه إلى سلك طريق قديمة وخالية، ليجدوا أنفسهم في بلدة تشبه بلدات الغرب الأمريكي، تعيش على طريقة أفلام الويسترن. وبعد هذه الرحلة التي تشهد مواقف كثيرة يكون محرّكها بشكل أو بآخر سي محفوظ، وحيث يتم مناقشة مواضيع اجتماعية مثل الصّحة، أو عندما يسخر حميد من قويدر الزدّام الذي يروي تاريخه الثوري الكاذب ويقول أنّه سيخرج فيلما عن الثورة بطله قويدر، الذي يتحّمس للفكرة، قبل أن يفهم أنهم يسخرون منه. بعد كل هذا، يصل المشاهد إلى نهاية الفيلم، ليأتي صوت ألفه «الشّعب» في الأخبار، بيانات مهمّة عبر الراديو، حملات ذات منعة عامّة، والتي تعرض منذ عقود لتوعية «الشّعب» حول لقاح ما أو نظافة المحيط، أو استعمال القطار الجديد، إلخ، الصّوت كأنّه صوت القدر الذي يحمي هذه «اللُّحمة» التي عبرت الزمن وقاومت، يأتي ليخبرنا بمصير شخصيات الفيلم نفسه، التي عرفت نهاية غريبة وسيريالية أيضا: عمي حسان (الثوري القديم) يحكي لأحفاده عن الماضي، حميد خريج الفنون الدرامية صار مهرّجا «مدرسيًا» يعني مهرجا في إطار رسمي وحلقة في سلسلة تعبئة طويلة، سي محفوظ دخل المستشفى واستمر على حاله في شرحه للأمراض بطريقته الغريبة، الحاجّة أُلقي بها في السّجن بسبب تورّطها في السّوق السوداء، سي عبد الله استخرج أوراقا رسمية للعمل كسائق طاكسي، عزيز وصفية تزوجا وسيعيشان «بلا شك» في سعادة فقط لأنهما اتفقا على إنجاب طفلين لا أكثر (عكس عبد الله الذي أنجب 14 طفلا)، بمعنى أن سعادتهما كانت مرتبطة بمدى تطبيقهما لسياسة تحديد النسل، وفي الأخير وبعد أن ترتب يد القدر مصائر الشّخصيات وتعاقب من يجب أن يعاقب معاقبة أبوية، وتجعل البقيّة مواطنين صالحين في بناء المجتمع وتُدخل سي محفوظ – الذي كانت الكوميديا التي يقدّمها تغطي على السيناريو الضعيف حتى لا يتحوّل من فيلم إلى فيديو «حملة ذات منفعة عامة» –  المستشفى بوصفه عنصرًا «شاذًا».. نسمع عن سي قويدر الزدّام والذي يخضع الصّوت أمامه، قائلا أنه لم «يزدم» في الثورة بل «زدم» بعد الاستقلال على الأملاك والفيلات والمحلاّت في إشارة إلى الأغنياء الجدد، لكنه رغم ذلك لا يُحاسب.

سوق امُك يحل فاللّيل! 

من فيلم عايلة كي الناس
من فيلم عايلة كي الناس

فيلم «عايلة كي النّاس» (1992) يحكي قصة عائلة تطمح لتصير مثل «النّاس».. كيف هم النّاس؟ يملكون شقة وسيارة. نفس الحلم الجزائري اليوم، سقف الأحلام مسكن وسيّارة.. لكن في نفس الوقت يحكي الفيلم قصّة العائلة الجزائرية البسيطة التي عبرت سبعينيات التقّشف و«بحبوحة» بداية الثمانينيات الكاذبة، لتجد نفسها بعد انفتاح السّوق وظهور طبقة الأثرياء، تطمح لامتلاك سيّارة، العائلة التي كانت عمود الخطط الاشتراكية السّابقة تُرِكَتْ لمصيرها (لا يظهر في الفيلم، كالعادة، أيّة إشارة إلى أحداث من الواقع رغم أنّه صوّر في أصعب فترة مرّت بها الجزائر وعُرِض سنة 1992، أي سنة مقتل الرّئيس محمد بوضياف). البروباغاندا في هذا الفيلم أقلّ بكثير مما هي عليه في «الطاكسي المخفي» (1989) الذي يمكن وصله بأفلام العقد الذي سبقَه، فبخلاف بعض المشاهد التي مرّرت التفاوت الطبقي الذي ظهر جليّا بعد التعددية (مشهد المطعم أين يعمل حميد –الابن) أو مشهد خروج العائلة في زيارة إلى «رياض الفتح» ودهشتهم أمام ثمن فنجان قهوة (10 دج)، أغلب مشاهد الفيلم تصوّر التغيّرات الجديدة في حياة العائلة الجزائرية البسيطة، دخول القنوات الفرنسية مثلا (مشهد إشهار دانون).

شخصية عثمان عريوات هنا، ربّ عائلة يغالب الواقع والأبناء اللذين كبروا. يعدّ الفيلم من أشهر أفلام عريوات، شاركته في دورالأم الرّاحلة فتيحة بربار. الفيلم يدور حول سيّارة قديمة تشتريها العائلة، وكيف تصير السّيارة «حدثاً»، وحول السيّارة نتابع يوميّات العائلة.

أشهر مشهد في عايلة كي النّاس، هو لمّا يقف عريوات إلى جانب فتيحة بربار في البالكون، في اللّيل ينتظران بقلق عودة الأبناء والسيّارة ويفكّران في السيناريوهات المحتملة، ولمّا تقول: «يا راجل السّوق يفتح في الليل» يطلق عريوات جوابه الشهير «سوق امُك اللّي يحل ف اللّيل».

جواب عريوات يختتم كل شيء! رغم لعبه عشرات الأدوار في أفلام منسيّة، تلفزيّة، ورغم دوره في «ملحمة  الشّيخ بوعمامة»(1984)، إلا أن موهبة عريوات تختصر في فيلمين لمّا نربط مسيرته بالسيّاق الذي عاش فيه كفنّان وعمل فيه وله، رغم هذا إلا أن موهبته برزت مرتين عندما تمّ التركيز عليها بشدّة: المواطن الدرويش التائه في بروباغاندا الطاكسي المخفي، والأب الغاضب، في عايلة كي النّاس، المواطن الذي صدّق كل ما قيل له، ليجد نفسه بعد ذلك أقصى طموحاته: سيّارة قديمة! ليقول جملته –التي قد تبدو – غير واقعية لشخص من بلد آخر: سوق امُك يحل ف اللّيل ! كإستحالة وجود بلد/ سوق يفتح ليلاًً.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.