الأحد، 9 أغسطس 2020

جنوبيّ

لا يمكن أن تنتقد اللّغة العربيّة دون أن تصطدم بعثمان سعدي، وجمعيته التي لم نسمع لها حصيلة أدبيّة أو ماليّة، ولا يمكن أن تجادل في العقيدة دون أن تصيبك لعنات عبد الفتّأح حمداش زراوي والمُذيع شمس الدّين بوروبي، اللذين لم نقرأ لهما مقالا رصينًا واحدًا، ولا يمكن أن تقترب من التّاريخ «المُقدّس» دون أن يرجمك قدامى جبهة التّحرير بالبيانات والخطابات والتّصريحات.. هكذا صار المشهد الثّقافي مفخخًا، تحاصره أسماء قديمة – جديدة، تشكّل فيما بينها نسخة محليّة من «المحافظين الجدد». ولكن، هل يقوم هؤلاء بخدمة أيديولوجية معينة، أم هم يمارسون فقط حقّهم في «ردّ الفعل»؟

في السّنوات العشر الماضيّة، ساهم «المال العام» في تغيير القناعات، وفي محاصرة بؤر اﻟ «contre-culture» القليلة، التي كانت تتوافر عليها الجزائر، وتمكّنت وزيرة الثّقافة السّابقة من كسب الرّهان، و الجمع بين المتناقضين، تحت ضغط الإغراءات، وصار من العادي مشاهدة شيوعي مُلحد ومتأسلم مُلتحٍ يقاسمانها الطّأولة نفسها، ويتحدثان إليها في مواضيع مشتركة. اليوم، مع تراجع المال العام في تمييع لسان النّقد، برز الإعلام السّمعي البصري الجديد، الذي ظهر غداة ثورات الرّبيع العربي لحماية عرّابي البلد من إعلام خارجي مُضاد، كلاعب أساسي، وحصان طروادة قوي لمواصلة مهمة سابقة، والدّفع بالمحافظين الجدد إلى الواجهة.

كثير من البرامج التي تُعرض وقت الذّروة «برايم تايم» تجاهر بالحياد، وهي تنتصر من الدّاخل لصوت معين على حساب صوت آخر، النّزاهة هي القطعة المفقودة في خارطة طريقها، والمشاهد ليس ساذجًا كما يفكرون، فهو يدرك اللّعبة، حتى وإن حاول بعض المذيعين إيهامه العكس.

هؤلاء «المحافظون الجدد»، الميّالون إلى الشوفينية، والمقلون في العقلانية، ركبوا سريعا ظهر الشّاشة، وطاب لهم النّفخ في مزامير التّهويل، ونصبوا أنفسهم أنبياء بلا رسالة، نبؤة اختراعوه لأنفسهم، و نسوا أن يشاوروا الآخر في ماهيتها ومدى مصداقيتها.

كلّما اِتسع حضور المحافظين الجدد على الفضائيات، الجرائد، المواقع الإلكترونية وصفحات الفايسبوك الموالية لهم، تراجع حضور القضايا الأكثر حساسية عن الواجهة، فقد صارت الأنباء القادمة من الجنوب، من عين صالح وغرداية والمنيعة وبنورة وتقرت وبرج باجي مختار تتدحرج في مراتب ثانوية على سلّم الأولويات. ومن المفارقة أن جمهور المحافظين الجدد هو، بالدّرجة الأولى، من الجنوبيين، من شباب يُضاجع ما يشبه جثّة الإحباط، ويجد في هؤلاء خطابًا مكرّرًا، ينسجم مع حالة الرّكود التي يعيشونها، خطابا مُلهما لخمولهم، ومواسٍ لكآبتهم.

الجنوبيّ التّائه بين الانتماء واللاانتماء، والذي لعبت السّياسة الممزوجة بالدّين طويلاً بمخيلته، هو الهدف الأساسي الذي تسعى فضائيات – الصّدفة إلى محاصرته بصورها وكلماتها. الجنوبيّ الذي تصالح مع الانتظار، وفهم أن لا شيء سيتغيّر، هو الوعاء الانتخابية الأهم، التي تتعزّز مكانتها مرّة كل خمس سنوات، الجنوبيّ حقل تجارب بامتياز، لم يسلم من سياسات الكولونيالية، ولا من سياسات ما بعد الاستقلال، الجنوبي الحاضر – الغائب في لعبة القرارات السيادية لم يتخلّص من سطوة الشّيخ المتواطئ، ولم يتحرّر من كبت سنوات القطيعة مع الشّمال، الجنوبيّ اليوم في أدرار وتندوف وتمنراست والنعامة وورقلة وغرداية وإليزي وبشار والجلفة والمسيلة يفرح بخبر تقسيم إداري جديد ويقيم بالمناسبة الاحتفالات على الفايسبوك، ويغضب أيضا لعدم ترقيه مدينته إلى مصاف الولايات، يحلم بأن يعيش في عاصمة ولاية، ولا يهمّ بعدها إن كانت عاصمة ولاية متينة أو منكوبة. الجنوبيّ تحالف عن غير قصد مع خطاب المحافظين الجديد، وشكلا معًا ثنائية حميمة لدعم مشروع مشترك، ومباركة أيديولوجية القصر الشّمالي، تقاسما الأدوار للردّ على كلّ من لا يتفق معهما.. أمثال عثمان سعدي وعبد الفتاح حمداش زراوي وشمس الدين بوروبي ستنتهي مهمتهم فقط حين ينفض الجنوبيّ يديه منهما.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.