الخميس، 27 فبراير 2020

الدّين والتديّن.. أنطولوجيا الإدمان

د. إسماعيل مهنانة
د. إسماعيل مهنانة

ربّما يكون سؤال الدّين والتديّن من أكثر الاسئلة إلحاحا وطرحًا في عالمنا المعاصر، عادة ما يقفز الفكر في هذا السؤال مباشرة إلى المفهوم المتداول للدّين والتديّن، أي مسألة الانتماء إلى دين ما أو ممارسة الطقوس والشعائر الدّينية الخاصّة بكل دين، وهي قفزة تضلّل الفكر عادة وتنحرف به عن طرح الأسئلة الوجيهة حول ماهية الدّين والتديّن والفرق بينهما. إن الفرق بين الدّين والتديّن هو نفسه الفرق بين النّسق والأداء، بين اللغة والكلام، بين الفكر والتفكير، بين العام والخاص، الأوّل هو نظام المعارف والقواعد الثابتة والمُتّفق عليه اجتماعيا وثقافيا، والثاني هو التجربة الفردية والفعل الشخصي المتغيّر والمتكرر.

التديّن في جوهره إرادة ذاتية ورغبة شخصية في الانتماء إلى نسق ثابت موجود بشكل قبلي، وهو يعبّر عن حاجة نفسية تدفع بالفرد إلى البحث عن معنى ما لحياته الشخصية، لهذا فإن الفكرة الشّائعة اليوم التي تتكلم عن عودة للدّين هي أيضا فكرة سطحية، مضللة ومؤدلجة، فالدّين كنسق لم يبرح مكانه لكي يعود، وإنما التدّين كحاجة نفسية هو ما يعود، فالحاجة النفسية إلى سند ميتافيزيقي تختفي وتظهر في كل مرّة حسب الظروف الثقافية والتاريخية للمجتمعات. لهذا تكون العودة إلى الأديان الكلاسيكية عودةً جماعيةً لأن الحاجة جماعية، ولأن الفراغ هو المحرّك الحقيقي للتاريخ والمجتمعات أكثر من أية غريزة أخرى، إننا نهوي في فراغ سحيق منذ أن هجرت الآلهة القديمة هذا العالم الذي يسمّى العالم الحديث.

في العالم القديم وحين كان الدين هو نمط الوعي الجمعي الوحيد السائد، لم تكن هناك ظاهرة التديّن التي هي ظاهرة حديثة بامتياز. مشكلة الأديان القديمة في العالم الحديث هو منطق المنافسة الذي أفرزته الرأسمالية الحديثة، هذا النّسق الجبّار الذي لم يكشف لحدّ الآن عن كل أبعاده أثبت أنه نظام حياة عنيد متجذّر في الغريزة الانسانية ويقدّم في كلّ مرة تنويعات جديدة على الكينونة نفسها. في عالمنا المعاصر ظهرت الكثير من الدّيانات المنافسة: الفن، السينما، الريّاضة وكرة القدم خاصّة، الإعلام والتلفزيون والصحافة، وسائل الإعلام الجديدة، كلّها صارت تنافس الأديان التقليدية في احتلال مساحات هائلة من الوجود البشري وإسكات أبعاد عميقة في الرّغبة والغريزة الإنسانيّتين. لقد تنبّأ الفيلسوف الألماني هيجل بكلّ ذلك حين قال أن: «قراءة الصحف هي الصّلاة اليومية للإنسان المعاصر».

لهذا يمكن القول أنّ الدّين خالد لكن في أشكال وأنساق أخرى، متعددة ومختلفة ومتنافسة، كما أن التديّن أيضا سيبقى في حالة عودة أبدية تلبي الرغبة الملحة في إضفاء المعنى على الوجود الفردي، وجود منخور بالعدم والعبث من رأسه إلى أخمص قدميه. وبهذا يكون الإنسان المُعاصر أكثر البشريات تديّنا أيضا، ولكن هوسه لم يعد مُعلّقا إلى يوتوبيا الخلاص القديمة التي تقترحها الأديان التقليدية بقدر ما أصبح أكثر تشبّثا بالهُنا والآن، بما توفّره الحياة الحديثة من موضوعات فيتشية كثيرة ومتنوّعة، يمكن القول أن الإدمان هو شكل التديّن الحديث، إننا لم نفكّر بعد ماهية الإدمان وعلاقته بميتافيزيقا الفراغ التي انساقت فيها كل العصور الحديثة.

إن من يدمن على القراءة والكتابة مثلا سيجد نفسه بالضرورة منساقا في تشكيل نسقٍ شخصيّ للتدين بدين القراءة والكتابة، ويبدع في إخترع طقوسه الخاصة بهذه العبادات فتتحوّل إلى شعائر يومية، ينذر لها كل كيانه واهتمامه وانفعالاته، ولهذا فإن ما يتبقى عادةً من التزامه تُجاه الدين الثقافي الذي يجده في مجتمعه لن يكون نابعا من أي هوس وشغف أو إدمان شخصي بقدر ما يكون إسداءً شكليا لواجب الظهور والمجاملة إزّاء انتماءه الاجتماعي، وهو ما يصدق على مدمن كرة القدم، أو الانترنيت، أو السينما والتلفزيون. الإدمان هو النمط الحديث في التديّن وهو مفتاح الحياة الشخصية للإنسان المعاصر.

لهذا أيضا لم يتبقّى للأديان التقليدية إلا المقدّس وإرادة التقديس حصناً منيعا تتشبّث به في الدّفاع عن مجالها الحيوي ومواقعها المهددة بالاحتلال، إن منطقة المقدّس هي منطقة عنف أي الحدود التي يتوقّف عندها الكلام والنقاش والتفكير ويبدأ منطق التضحية والنحر والقتل. وقد ساهمت العلمانية الحديثة بدورها في حماية هذه المنطقة بوضعها في خانة الايمان الشخصي الذي يجب احترامه والنأي به عن النقاش العقلي أو المماحكات الأدبية والسياسية، أو حتى المحاكاة الفنّية الجدّية أو السّاخرة، وهنا أيضا نواجه السؤال نفسه: هل ينتمي المُقدّس إلى الدّين أم التديّن؟

يمكن القول على عجالة أن المقدّس هو منطقة اللامفكّرالوحيدة التي يتقاسمها الدّين مع التديّن، حيث يعمل الدين على حمايتها ويسعى التدين إلى الاحتماء بها، إنها منطقة غامضة من الحقيقة المطلقة في المجال الخاص التي تسقط أمام أول اختبار عقلاني في المجال العام، لهذا فإن أي موقف إنساني إزاء المقدّس لا يمكن أن يكون موقفا معرفيا وإنما هو موقف إيماني ذاتي شخصي وانفعالي وهذا هو مصدر القلاقل التي لا يزال يثيرها كل اقتراب من هذه المنطقة بالوسائل المعرفية الحديثة.

هل يجوز مثلا للمدمن على الكتابة والقراءة أن يعتبر إدمانه ذاك أيضا مسالة مقدّسة؟ وهل يجوز لمن يقدّس الثروة والمال والتجارة مثلا أن ينزّه مقدّسه هذا عن كل شكّ أو نقد؟ هناك انفصام حاد وازدواجية واضحة تحكم الموقف المعاصر من التقديس، فما يوجد واقعا أن البشر يقدّسون فعلا هذه المجالات الجديدة التي أدمنوا عليها، كالمال والرياضة والفن، لكنهم لا يخلعون طابع القداسة إلا على المقدّس الشكلي القديم الذي هو المقدّس الدّيني.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.