الإثنين، 18 نوفمبر 2019

فرمَاكون السّؤال أو الأصل حَتْف سردِه

جهاد شارف

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ثمّة استيلاب/نفي يتقمّص السؤال و يضمره عن طواعية منه، و كلّما اشتدت منازع الحفر وخفتت مزاعم الأصل، صار القول في حيرة من مسكنه/أرضه، و جذبا له من حطامه حتى يكشف عن منحاه، يبدو أن محنة الجذر العربي أنّه مهموم بالعودة إلى الأصل، لأن الوصول قابع هناك في أقصى الوراء، و كل المعاني تعود إلى الماضي طوعا أو كرها، هاهنا تُوهمنا العودة باكتشاف الأصل الذي منه بدأ كل شيء، بإمكان جاهز تقدّمه اللّغة لإدراك البدايات والبواكير. في البدء كان الجذر/ البناء الأوّل وكان المعنى. أمّا الفعل غير المصرّف في اللّغات الأجنبية فإنّه يحيل إلى اللامتناهي، دلالة تسبح في أفق فسيح منفتح على الآتي، وحركة تفلت من قبضة الماضي العتيد، إلى السيرورة اللامتناهية والعودة المستحيلة والأصل المنسي، فكّر الآن و هنا وارتحل إلى الآتي هناك، إذ الدلالة لا تنطلق إلا من الحاضر، باعتبارها كينونة تأبى الماضي مسكنا والذاكرة أرشيفا. هل علينا كشف المكبوت الذي أقام الجذر العربي صرحه عليه، و ورّط بنى الذوات في الإيهام بأنّه الأصل؟
ينبّه الباحث إسماعيل مهنانة في كتابه «العرب و مسألة الإختلاف»(منشورات الاختلاف، ضفاف، الأمان 2014) إلى مَهمّة «الفكر العاجلة» في تفكيك منحى الكلّي والشمولي لإحداث الأثر المرآوي، فتتفجّر كل الإنتماءات وتهوي شيئا فشيئا كل الحيل التي تنسج صنوف المطابقة والمشابهة من أثر التحديد و التعيين، وتتصدّع خطابات الهوية بما هي صياغة غير مكتملة للإنسان المابعد كولونيالي، كالعلاقة بين الإنسان والمرآة والصورة عند ابن عربي، إذ يستحيل أن يرى الإنسان في المرآة صورته والمرآة معا، فإذا رأى المرآة يستحيل أن يرى صورته، و إذى رأى صورته، يستحيل أن يرى المرآة.
يفتح لنا هذا المعطى أفقا لاتصمد أمامه دواعي النّبذ ومرافعات التّكذيب ودوافع الإنكار، أمام فضح التحليل النّفسي للمآزق التي طرحها الكتاب؛ الهوية والأصل والنسيان. الإنتقال بها من محنة الأصل المكبوت إلى منحة الوجود، تتيح خلخلة وزحزحة لكل الإجابات التي حاكت تطوّعا التصوّرات المسبّقة، إنّه ما يسمّيه إسماعيل مهنانة برحلة «التّسآل» الأنطو-تيولوجي لفك طلاسم الوعي الممتلئ والتجربة التامّة بوصفها أوديبية مضادة إزّاء الرّاهن، وتخييلا يطمح إلى صناعة جسد للحقيقة والقداسة كجسد مشترك للجميع، من خلال سلطة النص والتّاريخ والأصل.
إن الأسئلة التي يطرحها كاتب «العرب و مسألة الاختلاف» تتجاوز التّقليد الإستشراقي، بل تشكّل منعرجا فينومينولوجيا وصدمة وجودية وابستيمولوجية لكل الشروح والسرديات المُكوّنة للخطاب العربي، قديمه وحديثه، تشتغل داخل ترسانة مفهومية تكشف عدم بداهة البديهيّ وتفتضّ بكارة الملفوظ الميتافيزيقي، تلك المساحة التي هيمنت عليها سلطة الفقيه والسيّاسي، بدء من مساءلة تشكّل القرآن والمصداقية التي أحاطت بنصوص السير وحالت دون إخضاعها إلى الطّرح العلمي. هي إذن الجرأة العلمية العالية التي اتّسم بها الكتاب في مواجهة الأسئلة الكبرى والحقيقية، التي لم يعد هناك بدّ من تحاشيها و السّكوت عنها.

إسماعيل مهنانة
إسماعيل مهنانة

إن الأمر يتعلّق بتلاشي وهم الأصل وشبح الهوية وحرّاس السلفيات المختلفة، لأن كل سرد أو أسطورة ترنو إلى الإخفاء والستر، وبمجرّد الكشف عن المخفي والمستور، تتصرّف الأحادية إلى فرديات بتعبير فرويد، فإسماعيل النبيّ يشكّل منظومة ميتافيزيقية تماهى معها الفرد، وغدت كل الدلالات نسيج من التماهيات والصور، إننا ههنا إزّاء معضلة كبرى إذا ما تفتّتت التماهيات و الإرتباطات بين الإسم و الوسم، فهل العقل العربي يملك أن ينتج تماهيات أخرى بمعزل عن الغائب؟ أليس تفتيت الميتافيزيقا كما يقول هيدغر هو إعادة بناء للميتافيزيقا نفسها؟
تلك هي الخلاصات التي تستدعي قارئ كتاب «العرب ومسألة الاختلاف» إلى تدبير الذّات بتعبير إدوارد سعيد، ووضع الإشكاليات الكبرى على محك المساءلة «دون خوف أو وجل، دون رقابة ذاتية أو سياسية ودون اصطفاف طائفيّ خاصة»، بعيدا عن كل ما هو إيماني، إذ الطرح العلمي لا يمس بالجوهر الإيماني بوصفه تجربة ذاتية وفردية كما يذهب إلى ذلك التصوّر الصوفي، فالكاتب لا يناقش مسألة الوحي لأنّه اللافهم بامتياز، وإنّما يحدّق ابستيمولوجيا في مادة تاريخية تشكّلت بعد القرن الثالث الهجري وأنتجت كل البراديغمات التي نفكّر ضمنها ونفرض نمطا للوجود من خلالها، إقصاءً وتكفيراً واحتكاراً للحقيقة، ليغدو الفن بديلا عن كل ممارسات التمترس و تأسيسا لعالم الفرد والمختلف والمبتدع والجميل، كأفق للحرية والفضاء العام، وكسرا للنمطي و المألوف والشمولي، ومقاومة للأنطولوجيا الهشّة، إذ لا يزال استفهام الم(و)تى تأجيلا ينتظر استجابة القدر، بين التّكرار والإغتراب كمن يسكن الماضي روحا و يحيا الحاضر جسدا، في عالم متخم بالذكورية والمركزيات المترسّبة كالظلمات بعضها فوق بعض.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة …

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.