الأحد، 9 أغسطس 2020

تكفير العقل

ما هي النّقطة المشتركة بين الجزائر والمغرب؟ هي صحوة التّكفيريين. بداية الأسبوع الماضي، تلقت الزّميلة زينب الغزوي تهديدًا صريحًا بالقتل، والتّهمة هي كونها صحافية في أسبوعية «شارلي إيبدو»، هي العربية الوحيدة في الصّحيفة الفرنسية، تكتب ولا ترسم، تحرّر ولا تمارس سلطة على الخطّ التّحريري للمطبوعة. وجدت نفسها في مواجهة تهمة جاهزة بحجة أنها تنتمي إلى فريق جريدة مغضوب عليها من طرف جماعات دينية. في آخر دردشة لي معها، حدّثتني زينب عن سلوفينيا، التي أقامت فيها سنة بعد مغادرتها المغرب، عن شراب «زفيتشك»، وعن اِلترامها المهني. هي من أشرس المعارضات لنظام «المخزن»، تقسم بأغلاظ الأيمان أن الحسن الثالث لن يجلس على كرسي العرش، وقد عرفت – رفقة زميلها الأسبق علي عمار – مسلسلا طويلا من الرّقابة والمنع والمضايقات الأمنية. مصير زينب الغزوي صار غير واضح، والخوف كلّ الخوف من أن يستلهم أحدهم حماقة الثّنائي كواشي ويهدّد حياة واحدة من أفضل الصّحافيات في المغرب العربي.

في اليوم الموالي، شاهدت برنامجا، في واحدة من القنوات التلفزيونية الخاصّة، تحوّل فيه النّقاش إلى مُناظرة بين صحافي شاب ومُثقف، و«إرهابي صغير» يحمل صفة «صحافي»، الأول يتحدّث بالمنطق والعقل والثّاني بالعاطفة والتّعصب، الأول يستشهد بدروس الماضي، والثّاني لا يخجل من ترديد عبارته الفجّة: «يا بغدادي يا حبيب دمّر.. دمّر تل أبيب!»، الأول يردّ بالكلمة، والثّأني يوزع صفة «الإرهابي» على من يريد، ولا يعرف معنى الإرهابي سوى إرهابي آخر مثله، خصوصا أن المعني لم يجد، في خضم محاججته اللّينة، مانعا من الاستشهاد والاعتزاز بشيخ الإرهابيين علي بلحاج. لكن، اللّوم لا يقع على الصّحافي المُجاهر بالجهل المًُقدس، بل أيضا على القناة التّلفزيونية التي توظّفه كقلم نابح في وجه العقل، والتي استضافته في بلاطو البرنامج ذاته، هذا البرنامج الذي وجد طريقًا مفتوحًًا أمامه لتمرير خطاب يقوم على الشّوفينية، وصنع لنفسه جمهورًًا بتمييع القضايا الأكثر حساسية.

لم أفرغ من إعادة مشاهدة فيديو المناظرة الهزيلة، التي كان يمكن للصّحافي الشّاب المثقف أن ينهيها بالاستعانة بمحمد أركون، حتى وجدتني أقرأ سيلا من التّعليقات الحاقدة على رسام الكاريكاتير علي ديلام، والسّبب هو دفاعه عن حريته في الرّسم والسّخرية، ولم تمضي ساعات حتى بلغني خبر دخول الحوثيين إلى قصر الرّئاسة في اليمن، وبعدها بلحظات ظهر زعيم الحوثيين عبد الملك على التّلفزيون، وهو يحمل خنجرًَا، ويتحدّث عما يسميه «مؤامرة»، في كلمة استعراضية مستلهمة من مسرحيات حسن نصر الله السّياسية. هكذا إذًا اصطدم اليمن –ما بعد الثورة بالحوثيين وبخيار المواجهة مجددًا مع جماعات لا تعترف بالعقل ولا بالحقّ في المساواة. تخيّلت لحظة ردّة فعل آرتير رامبو، الذي أقام في عدن، وهو يرى ملجأه اليمني يتحوّل إلى بقعة تناحر باسم الدّين الواحد!

ما حصل في اليمن لم يصل صداه إلى الجزائر، فالتّكفيريون مصرّون على تداول القضايا نفسها، اِبتذالها وتكرارها، ومباشرة بعد صلاة الجمعة الماضية، خرج شيخ الأصوليين ليحرق علم فرنسا، أمام الملأ، مبتهجا بفعلته، التي نفذها في وقت كان فيه طلبته ينتظرون مباراة الجزائر، التي يدربها فرنسي، ويتمنون لها وله التّوفيق فيها.

التّكفيريون يزدادون ضرارة هذه الأيام، فقد اكتسبوا مساحات مناورة أوسع، وراحوا يجاهرون بدساتيرهم عاليًا، لكن لم نسمع لهم صوتا ضد الرّشوة،

ولاضد الفساد،

ولاضد الحقرة،

ولاضد البيروقراطية،

ولاضد اللامساواة،

ولاضد الميزيرية،

ولاضد التضييقات،

ولاضد منع الصّحافيين،

ولاضد منع المسيرات،

ولاضد استغلال الغاز الصّخري،

ولم يتضامنوا مع مواطنيهم في غرداية وعين صالح.

هم خرجوا وسيخرجون مجددًا فقط لتكفير إخوان لهم في الدّين.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.