الجمعة، 20 سبتمبر 2019

ياسمينة خضرا في مواجهة نفسه..

تعد الخمس عشر سنة الأخيرة (1999 – 2014) فترة التألق والشهرة العالمية للروائي ياسمينة خضرا (1955) وقد بدأها برواية وختمها برواية تكادُ تكون مُتممة ومُنقّحة للأولى، الأولى بعنوان: «بما تحلمُ الذئاب» والأخيرة «ما تنتظره القِرَدة»، ليس العناوين فقط، كما تبدو، هي المتناظرةُ ولكن العوالم، والسياق السياسي، والحبكة واللغة، وحتى المرارة الطافحة كلّها متشابكة بين النصّين.

 

د.اسماعيل مهنانة
د.اسماعيل مهنانة

في رواية «بما تحلمُ الذئاب»(نقلها إلى العربية أمين الزّاوي)، أول رواية للكاتب بعدما استقال من مؤسسة الجيش، التي خدم فيها كضابط دبابات، وفي أعقاب حربٍ أهلية أتت على كل شيء، راح ياسمنية خضرا (اسمه الحقيقي محمد مولسهول) يستنطق العشرية الحمراء وكل ما انتهى بالبلد ككل إلى ذلك المأزق التاريخي، ليعود بعد 15 سنة، وعشر روايات أخرى، إلى مأزق النظام السياسي في الجزائر في رواية «ما تنتظره القِرَدة».

في نص 1999، يروي الكاتب قصّة الشاب «نافع»، الحالم بشهرة سينمائية وهو يتعثّر في شقّ درب الحياة ويضيع في امتهان الكثير من الحرف، بما في ذلك سائق لدي عائلة (راجا) الحاكمة فيكتشف فساد الدوائر العليا وانحرافها حدّ الجريمة، ثم يهرب من البشاعة ليسقط في عالم «القصبة» وهي تغلي على مرجل الإسلاميين وهم يقرعون طبول الحرب الآتية فتبوء كل محاولاته النأي بنفسه بالفشل ويجد نفسه، مُسلّحا، في قلب حرب قذرة، لا تبقي ولا تذر.

بقدر ما يدين خضرا في نص «بما تحلمُ الذئاب الذّئاب» النظام السياسي الغارق في الفساد والانحراف والتبرجز السّافر، يفضح أيضا الفكر الفاشي الذّي قامت عليه الحركة الاسلامية المسلّحة للإطاحة بالنظام. يصطدم البطل بعالمين من الجريمة كجداري نفق مظلم وطويل، تقوده وظيفته كسائق عائلة حاكمة إلى وضع شاهد وشبه مشارك في جريمة قتل بشعة تنتهي بسحق وجه فتاة ورميها في غابة «باينام»(الجزائر العاصمة)..

غلاف رواية بما تحلم الذئاب
غلاف رواية بما تحلم الذئاب

يعود «نافع» مذعورا إلى بيت عائلته في القصبة، وينكفئ على جلده من هول الصدمة أياما وليالٍ حتى شارف عتبة الجنون، ذات فجر منزوع النوم وهو يسمع منادِ من دقعٍ سحيق.. «..رنّ نداء المؤذّن كنور قُذف في أعماقي، طمأنينة مفاجئة انتشرت في قلبي ، كانت لحظة كثيفة لا تُصدّق، كما لو أن قلقي تبدد عن طيب خاطر وخلاصٌ ما تملّك جماع خاطري»، وهنا ينهض إلى المسجد لكي يجد نفسه في قلب الإعصار الأصولي المُستيقظ من عُمق مأساة وجودية تُجهل كل جذورها إلى حد الآن.. «القصبة تهذي.. تعصف داخل أحشاءها، تغشى الظلمة في روحها، امتنعت الشّمس عن إلقاء خيوطها إلى داخل أحياءها.. فهي تعرف أن لا شيء يطلعُ بالغد حين تحمل القصَبة حدادها في خلاصها..».

تضاربت التفسيرات وتعددت السّرديات المشرعنة لكلّ طرف لأن الجميع أصبح غارقا في مستنقع تاريخي لا قرار له، فالجميع ينام على خطابه مساءَ ليُعدّ ضحاياه صباحاً. «لكن الحقيقة توجد في مكان آخر، ليس الشّعب هو الجاحد أو الأرعن، إنه النظام الذي يفعل أي شيء لكي يبعده عن نُّبل الكائنات والأشياء، لقد علّمه بألاّ يتعرف على نفسه إلا في الرداءة الطاحنة».

في نصّ «ما تنتظره القِرَدة»، يعود خضرا إلى نفس العالم لِيُمْسك بالحكاية الأولى من إحدى هوامشها، حيث تبدأ الرواية بمشهد فتاة مقتولة ومنهوشة الثّدي في نفس المكان (غابة باينام كمكان دائم لقانون الغاب الذي بقي ساري المفعول 15 سنة بعد الجريمة الأصلية) … وهنا تخوض ضابطة الشّرطة «نورا» تحقيقا مدهشاً ومفعما بالمفاجأت: في كلّ مرة تكتشف الشرطة متورّطا في الجريمة تُفاجئ به مشنوقا، أو مُموّها في انتحارٍ مزيّف، لأن الجريمة الأولى (نهش ثدي فتاة عشرينية) تتعلّق بإحدى «ركائز الأمة الجزائرية»، الأمر الذي سيقود سلسلة موازية من عمليات محو أثر الجريمة الأصلية، تتساقط فيها الرؤوس تباعا وتنتهي باغتيال الضابطة بقتلِ مُمَوَّها صورة انتحار. لا يكشف السّرد البوليسي بطلها الخفي إلا في النهاية، حيث لن يكون إلا «جدّ الفتاة»، أحد أرباب آلجي(الجزائر العاصمة)، يقول «عد الدّايم» «لا يسقط أرباب آلجي أبدا.. حين لا يتبقّى في السماء نجوم، حين تنطفأ الشمس، حين تتوفّى الآلهة، يكون “الربوبة” هنا، يستوون على رماد عالمِ مُندثرٍ، ويستمرّون في التآمر حتى على الظلام، يكذّبون صداهم نفسه، يسرقون باليد اليسرى ما في اليد اليمنى ويطعنون في ظهر ظلّهم بالخناجر..».

غلاف رواية ما تنتظره القِرَدة
غلاف رواية ما تنتظره القِرَدة

رغم أن خضرا يشير بوضوح إلى شخصيات واقعية، مبتذلة الأسماء والإشاعات في الجزائر، إلا أنه يفضّل أن يقول «شهادته» على وجه الخيال السّردي بدل البوح البيوغرافي الذي كان قد أوقفه في نصّ سابق (الكاتب،2001)، حتى ينأى بنفسه ونصّه عن تهمة الإفشاء بسرّ الدولة وهو الضابط السابق العليم بخبايا النظام. ومع ذلك في كلّ مرّة كان يدين هذا التداخل بين الاشخاص والمؤسسات، بين النظام والدّولة، مثل قوله: «لا يكتفي حاج حمر العين بكونه مواطنا فوقيا مُعفى من الضرائب بل أنه يمدُّ يده إلى الخزينة العمومية كلّما يشاء، في الجزائر نسمّي ذلك الشرعية التاريخية».

ككل رواياته، يفشل خضرا في نحت معادلاتٍ موضوعيةٍ مٌشفّرة للتيمات التي يريد إدانتها، لهذا يلجأ إلى الأسلوب التصويري المباشر مبررا ذلك بالخطّ الروائي الذي يشتغل عليه، أي الرواية البوليسية التي تقّدم سلسلة الأحداث والوقائع طازجة وخام مباشرة من الواقع، مقطوعة التشفير الأدبي. طوال حياته الروائية يراهن على الرواية البوليسية التي تلقى رواجا هائلا على مستوى الشعبية والمقروئية الغربية دون المراهنة على القيمة الأدبية للسرد، ليكسر بذلك سمة روائية تميّز الرواية الجزائرية الفرنكفونية التي تشتغل أكثر على ثيمة الهوية وأسئلتها المُلحّة، أكثر من ذلك يطعن خضرا مباشرة في النميمة المتفشّية بين المثقفين الجزائريين على لسان أحد أبطال الرواية: «نذير شؤم إذا اتفق مثقّفان جزائريّان، إنه دوما على حساب ثالثٍ».

عـــادة ما يتّهم النّقاد كتابات خضرا بالسطحية ومحاولة إرضاء الذائقة الغربية واشتغال نصوصه على تقديم الشّرق للغرب في الأحكام التي يريد القارئ الأوربي سماعها كما فعل في نصوص أخرى مثل «سنونوات كابول»(2002) و «صفّارات بغداد»(2006) وهي تهمة تجد تبريرها في هذه النصوص، لكن نصّي «بما تحلم الذئاب» و«ما تنتظره القِرَدة» هي أكثر نصوصه صدقا (بالإضافة الى سيرته الذاتية: «الكاتب») والتي يعود فيها إلى النسق الجزائر لكي يفجّر تناقضاته. لا ينسى خضرا التعريج على هذه التهم في نصّه الأخير حين يقصف هؤلاء يقوله: «في الميثولوجيا العربربرية، تشير كلمة “بني كلبون” إلى القبائل الكانيبالية التي كانت تهاجم قوافل الحجّاج والرُّسل السالكين قبل عصر النقل الجماعي، اليوم نسمّي بني كلبون هؤلاء الانتهازيين بلا حياء الذين أسسوا للتسلّق والقفز  عقيدةً.. واضحوا بطانة الأسياد في سطوتهم».

من رواية «بما تحلم الذئاب» إلى رواية «ما تنتظره القِرَدة»، وكل مابينهما لا نجدُ في نصوص خضرا أيّة أسئلة جذرية حول هوية الجزائر أو الجذور الفلسفية للصّراع الإيديولوجي، بقدر ما يكتفي بسرد الأحداث السريعة وحدها مراهنا على قدرتها التفسيرية في تشكيل وجهة نظره. ويعتقد الروائي العالمي أنه مُتصالح داخل أبعاد هويّته كعربي يتقن اللغتين ويبدع بالفرنسية، وكمُسلمِ علماني. يكشف غيّاب النزعة الإنسانية والشعرية عن نصوص خضرا أيضا عن بعدِ تكويني في شخصية الروائي وماضيه العسكري، كما ينزعُ خضرا إلى عنونة معظم رواياته بأسماء الحيوانات: الذّئاب، الخرفان، القردة، السنونوات، بما تحمله الحيوانية من إدانة للواقع ورمزية طوطمية خافية في لاوعي الكاتب.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …

كونغو

فصل من كتاب “كونغو”

الخُبراء هكذا، كل أربعاء، ولمدة شهور، يلتقي كلّ من كورسيل، مالي، بوش، كاسرَوْ، سزشنيي، لامبَرمونت، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.