الخميس، 18 يوليو 2019

شاهد نفسك على الشّاشة

فيلم «الوهراني» لسالم إلياس صنع الحدث، داخل صالات السّينما وخارجها، وأعاد الحديث عن فضائل الجيل الجديد على الفن السّابع في الجزائر. جيل سجل حضورًا مهمًا عبر كثير من المهرجانات الدّولية، ونال نصيبًا من التّشريفات. جيل يعيش بين ضفتي المتوسط، ويُكرّس تجربة مختلفة عن سابقيه.

نذير مخناش، فاطمة الزهراء زعموم، طارق تقية وغيرهم، هي أسماء ثلّة من التّجارب الجديدة المنشغلة في السّينما، والتي تحاول تجسيد خصوصيتها من خلال التواصل مع مجتمعاتها الأصلية والتّعاطي مع أسئلة راهنة، خصوصا منها أسئلة الهوية وتقاطعات التّاريخ بين الجزائر وفرنسا، منخرطين ضمن جملة هموم تختلف عن هموم جيل المؤسسين، أمثال محمد لخضر حامينا «صاحب السعفة الذهبية 1975» وأحمد راشدي. ولكنهم يظلّون، في الوقت نفسه، في مواجهة بعض الإشكاليات من أجل مواصلة الحلم والتخاطب مع الآخر بشكل أفضل.

عشرية التسعينيات وسنوات الإرهاب في الجزائر تشكّل هاجسا مشتركا. لا يزال المخرجون الشباب يعودون إليها. يتساءلون عن أسبابها وعن مظاهرها الاجتماعية والفنية. الأزمة الداخلية التي عرفتها الجزائر لم تكن سياسية وكفى، بل مست المجتمع في مختلف جزئياته، ودفعت المبدعين إلى الإدلاء بدلوهم في تداعياتها.

وقّع نذير مخناش «1965» الذي ولد وكبر في باريس، مطلع الألفية الجديدة ثلاثية أعاد من خلالها تشريح تفصيلات الحالة الجزائرية، مركزًا خصوصا على شخصيات نسائية بغية الاقتراب من ماهية الأزمة. بعد فيلم «حريم السّيدة عصمان» «2000» أصدر المخرج نفسه «فيفا لالجيري» «2003» أين تلعب دور البطولة النجمة بيونة «باية بوزار»، تلاه «ديليس بالوما» «2007» مع التشكيلة نفسها من الممثلين، التي أدت أدوار الفيلم السّابق. أفلام ثلاثة تشترك في انغماسها في اليوميات الجزائرية والبوح برغبة الفئات الشبابية في الخروج من قوقعة الحالة الاستعجالية التي كانت تدور فيها البلاد. حيث ينتقل المخرج عبر الأفلام الثلاثة من بدايات تشابك الوضع الأمني إلى بدايات الانفراج. محللا تحوّلات هموم الفرد الجزائري، الباحث دوما عن فسحة أمل والمتطلع للخروج من ضبابية المشهد العام الذي كانت تلفه يوميات الخوف والجنائز وعدم الاستقرار.

من فيلم فيفا لالجيري
من فيلم فيفا لالجيري

همّ المرحلة نفسها شكل عتبة بدايات المخرج طارق تقية «1966» الذي انطلق من الأفلام القصيرة وأصدار «غلق، 2002» قبل الانتقال إلى الأفلام الطويلة وأخرج «قِبلة» «أو Inland في النسخة الفرنسية – 2008» فيلم تمّ ترشيحه ضمن المنافسة الرسمية في مهرجان البندقية السّنة ذاتها. شارك فيه عدد من الأسماء المعروفة على الشاشة الجزائرية، على غرار فارس قادر عفاق وأحمد بن عيسى. يسرد الحالة النفسية الصعبة التي يعيش فيها البطل، والذي يعمل في مجال التوبوغرافيا، والمسكون بكوابيس سنوات التسعينيات.

من فيلم قِبلة
من فيلم قِبلة

من جهتها، حاولت فاطمة الزهراء زعموم «1967» نقل انطباعاتها عن المحنة التي عايشتها وفق رؤية خيالية، تجمع بين الفانتازيا والسريالية، في فيلم «زهر» بمعنى «حظّ» 2008 أين تعرض شخصية صحافي فار «الممثل قادر قادة»، بعدما تعرض لتهديد بالتصفية الجسدية وبعدما اطلع على نبأ خاطئ منشور في إحدى الجرائد يشير إلى اغتياله. بين العبثية والحقيقة تدور رحلة البطل من الجزائر إلى تونس. وزعموم، التي أخرجت أيضا فيلم «قداش تحبني؟»2011،  تعتقد فعلا أن الجيل الجديد من السينمائيين في الجزائر يؤسس لقطيعة مع جيل المؤسسين، خصوصا على مستوى الذاكرة المشتركة.

من فيلم قداش تحبني؟
من فيلم قداش تحبني؟

حركية ملحوظة صارت تشهدها السّاحة السينمائية في الجزائر خلال السنوات القليلة الماضية مع بروز هذا الجيل الجديد من التجارب. جيل يواصل البحث عن موطئ قدم داخل الوطن وخارجه. أسماء مثل عبدالنور زحزاح، أمين سيدي بومدين، ياسمين شويخ ويانيس كوسيم سبق لها المساهمة في تأثيث المشهد السينمائي المحلي والتعبير عن نظرتها للراهن ولتطلعاتها المستقبلية.

ولم يخرج المخرجون الجزائريون الشباب عن السياقات الراهنة. وتجاوبوا مع المتغيرات التي يعرفها ويفرضها المجتمع أين صارت تنمو وتتطور ظواهر جديدة، مثل «الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا». هذه الظاهرة التي لاقت صدى ونالت مكانة واسعة ضمن اهتمامات المنشغلين في السينما. ظاهرة خصص لها طارق تقية فيلما بعنوان «روما ولا نتوما» «أفضل روما بدلا عنكم 2006» والذي يصور طموح شابين جزائريين في بلوغ الضفة الشمالية من المتوسط «مع الممثلين قادر عفاق وسميرة قدور». كما نجد الموضوعة ذاتها في فيلم «قوارب الموت» للمخرج أحسن تواتي. ونجد إشارة واضحة للموضوع ذاته في «مسخرة 2008» للمخرج سالم إلياس (1973).

تسعى السّينما الجزائرية الجديدة، الممثلة في مجموعة من التجارب الشابة، التي ولدت ونشأت في مرحلة ما بعد الاستقلال «ما بعد 1962» إلى التأكيد على مشروعيتها في خلق فضاءات نقاش مغايرة، تنظم نفسها داخليا وتسير في البحث عن أطروحات جديدة تتوافق مع الرؤى الاجتماعية الحالية وتتماشى مع تطلعات الجمهور. ولكن، في غالبية الأحيان، الإرادة والنيات الحسنة وحدهما لا تكفيان. فالبرغم من توفر هذا الجيل الجديد على المؤهلات وعلى الطموح فإن شحّ مصادر التمويل يشكل عائقا في الجزائر. وسوق الإصدارات يعاني، من سنة لأخرى، تقلصا، وتبقى كثير من المشاريع الإبداعية مؤجلة في انتظار أن تستعيد قاطرة الإنتاج سِكِّتها هذا العام بمناسبة تظاهرة «قسنطينة، عاصمة الثقافة العربية 2015»، إن لم يلعب الرّقيب دوره المُعتاد طبعًا.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.