الأحد، 9 أغسطس 2020

ظاهرة عاطفيّة

كيف تصير مُسلمًا معترفًا به بداية 2015؟ الأمر ليس صعبًا، يكفي فقط أن تخرج إلى الشّارع، حاملاً ورقة كُتب عليها محمد (ص)، وتصرخ قليلاً، ثم تنشر أحاديثا لخير خلق الله على الفايسبوك، وتبعث رسائل شتم وسبّ وتهديد ووعيد على حساب صحيفة «شارلي إيبدو»، لتحصل على «براءة إيمان»، تشبه صكوك الغفران، التي كانت توزّعها الكنيسة الكاثوليكيّة، في أزمنتها البائدة، على مُعتنقيها. هكذا إذًا تحوّل الإسلام من عقيدة إلى شعارات، بل صار أيضا، هذه الأيّام، ماركة تجاريّة، ولم تجد واحدة من الجرائد اليوميّة حرجًا في توظيف اسم الرّسول (ص)، على افتتاحيتها، ليس حبًا له، «فالمحب لمن يُحبّ مُطيع»، وهذه الجريدة خالفت تعاليم الرّسول الكريم، وإنما فعلت فعلتها لغاية أخرى، هي التّقليل من أعداد مرتجعاتها.

ياأيّها الذين آمنوا، إنما القرن الواحد والعشرين بالأفعال وليس ردود الأفعال. لم تنفع المسيرات المليونية نصرة للدّين سوى في التّعتيم عن قضايانا الجوهريّة، وهل يجب دائما على المسلم الغاضب في شوارع الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة وبسكرة وتيارت وبشار أن ينس ما جاء على لسان عبد المطلب، جدّ الرّسول(ص): «الكعبة لها ربّ يحميها»! وهل يجب دائما أن نذكّره بسورة الحجر وآية: «إنا نحن نزلنا الذّكر وإنا له لحافظون»! ومن كان يؤمن بالله ورسوله لايغضب، فإن الغضب من الشّيطان. والآن، نتساءل: هل كان لزامًا على تلك الجماهير الخروج إلى الشّارع دفاعًا عن قضية لا تعنيها، وتناسي أنها هي نفسها ضحية دائمة للنّظامين الدّاخلي والعالمي في آن.

ياأيّها الذين آمنوا، لا تتبعوا سيرة الشّعبويين، والمتملقين للأنظمة الفاسدة، فتندموا. ألم يقل الرّسول (ص): «تَركتُ فيكم الثَّقلين، ما إن تمسَّكتُم بهما، لن تضلُّوا: كتابَ الله، وعِترتي أهلَ بيتي»! ماالذي يبرّر المسيرة الحاشدة ضد رسومات كاريكاتورية، وننس ضمنيًا التّنديد بالعمل الإرهابي الذي استهدف صحافيي شارلي إيبدو، ويبلغ العمى ذروته لم ينعت بعضهم الأخوين كواشي بالشّهيدين. «شهادة» مُلطّخة بدماء أبرياء.

يمكن أن نستخلص من أحداث، الأيّام الماضية، أن نسبة كبيرة من الجزائريين صارت «ظاهرة عاطفية» بامتياز، كتلة بشرية من بلاد القديس أوغستين، تعيش تحت تأثيرالاِنفعالات الآنيّة، وهو ما يُفسر ربّما التحوّلات النفسيّة السّريعة في مواقف بعض النّاس، انتقلوا، في دقائق معدودات، من الإلحاد إلى السّير في مقدمة القضايا الدّينية، متأثرين بخطابة أئمة وزارة الشؤون الدّينية، وحماسة شباب فقد بوصلة تحديد الوجهة التي يريدها، ففي زمن الإحباطات، صار كلّ واحد من عرّابي الشّوفينية يبحث عن قضايا جاهزة للتّبني، ولن نتفاجأ مستقبلا إذا ما شاهدنا مسيرات حاشدة تضامنا مع مسائل أخرى أكثر عبثيّة، فالمهم بالنسبة لهؤلاء هو التّأكيد على حضورهم بمتابعة أفعال الغرب والردّ عليها بالخروج إلى الشّارع والمبالغة في الصياح، ثم مشاهدة صورهم على قنوات تلفزيونية لا تمتلك خطًا تحريريا ثابتا، وفي النّهاية، لن تعود عجلة الوقت إلى الوراء، لن تعتذر شارلي إيبدو عن رسوماتها، ولن ينعم بالرّاحة سوى النّظام الحالي، الذي ستنتعش مؤشراته القومية، وسيتواصل استغلال الغاز الصّخري، ومعه سياسة التّقشف وتراجع القدرة الشرائية، ومعاناة المواطن البسيط مع الحياة اليومية.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أسرار ماتعرفهمش على… الكوستيم دومي مونش!

جقرور السعيذ في الدزاير وقبل الدوميل-دوز، كي تشوف واحد لابس كوستيم دومي مونش تعرف طول …

الإدمان؟ آفير تبزنيس!

كتبو: سيباستيان بوهلر. ترجمو: جقرور السعيذ في لي زاني سواسونت ديس، قررت الجماعة ألي تصنع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.