الإثنين، 18 نوفمبر 2019

نجلاء سويداني: قصّتان

وكان اللّقاء..
وكان اللّقاء..

لوّحت بيدها طالبة الإذن للإدلاء برأيها حول موضوع النّدوة، لكن الفتاة وبأمر من أحدهم اِتّجهت نحوه وقدّمت له الميكروفون. اِنطلق في الحديث بحماس شديد، يُحلّل ويبرهن، يُعلّق ويناقش، يخفض صوته مُركزا على بعض النّقاط ،ثم يرفعه قليلا … آرائه كانت متماهيّة مع رؤيتها هي … مستشرق فرنسي أو هكذا بدا لها … كان جالسا جنب سيدة «قد تكون زوجته»أو ربما صديقته … أو زميلته … ولكن ما دخلي أنا؟ اِبتسمت لفضولها المفاجئ … صوته الدّافئ يتغلغل إلى أعماقها، يناجيها، يقتحم مسام جسدها، نبراته همس عاشق ولهان لحبيبة غائبة حاضرة تسكنه ولا يجدها … ما بي؟ ماذا جرى لي؟ هو صوت رجل غريب أحدث هاته الهزّة بداخلي؟ … حاولت لملمة أفكارها المشتتة … لقد جاءت لغرض مُحدّد وهو اِغتنام فرصة المعرض لاقتناء بعض الكتب في بلد يعاني من أنيميا حادّة في الثّقافة باختلاف أشكالها … فتحت كتاب ألبير كامو «الطاعون» تتصفّحه فإذا بالسّيد صاحب الصّوت الدّافئ يتوقف، ينهي مداخلته … اِنطلقت فجأة نحوه «كلامك جد مهم سيدي، تحليلاتك في محلها ولكنها لا تكفي … المطلوب هو الحلّ … نريد حلاً» … رمقها برهة وردّ عليها «أثرت نقطة مهمة سيدتي … ها نحن الآن أنا وأنت نبحث عن الحل؟من هنا تبدأ البدايات» … اِتجه الجميع نحو الباب وبقي الإثنان في حوارهما حول الندوة: «معذرة سيدي،تركت كتبي مبعثرة فوق الكرسي!».«لك ذلك سيدتي … آه! … لن نفترق دون تبادل بياناتنا الشخصيّة … قد… ». ارتبكت لكلامه … كأنه تلميح أو ربما هذا ما تمنته … «أكيد!» أجابت … خرجا من القاعة، كانت تتحدّث كثيرًا وكان ينصت إليها وعيناه مصوبتين نحوها، كان يخاطبها بنظراته الحادّة: «أنت المرأة التي كنت أبحث عنها … أدركت الآن سبب مجيئي إلى هنا … توقفي عن الحديث وانصتي إلى قلبي … إني أريدك؟ هل تفهمين مغزى ما أقول؟ أريدك، أشتهيك، أودّ تقبيلك الآن على مرأى من الجميع. اِبتسامتك … فمك … شفتاك … فاكهة شهيّة تستفز رجولتي … تسمحين لي بقبلة واحدة تروي ولو قليلا من ظمأي … إنني سعيد جدا بالعثور عليك حبيبتي … أنت لي، تفهمين؟ أصمتي بربّك؟ لا أسمعك،لا تصلني كلماتك … أنت عاريّة معي في الفراش، أنا محتضنك الآن … أغتصبك الآن في هذه اللّحظة» … لم تتوقّف عن الحديث وهي تنظر إليه … ترى ما سرّ هاته النظرات؟ ما هذا البريق الحادّ في عينيه؟ كأنه يقول كلاما لا يُدرك بالأذن، كلام يسمع بالقلب،وتُفكّك معانيه ورموزه بحواس الأنثى التي استيقظت بداخلها، الأنثى العطشى لكلمة حبّ،لنظرة اِشتهاء، للمسة مُحرّمة، لقبلة ممنوعة … كم هي مُشتاقة لكلّ ما هو مُحرّم في شريعة المتحضرين … «ما هذا سيدي؟ يبدو أنك وقعت في غرامي! Vous n’allez pas tomber amoureux de moi» … نطقت بهذه الجملة المجنونة، الغبيّة،تلقائيًا، وهي تمدّ يدها لتوديعه واَنصرفت.

نزلت الدّرج فوقع منها حذائها العاجي، تركته هناك … اِلتفتت حولها … النّاس يرقصون على سمفونية الفصول الأربعة لفيفالدي … وهي سندريلا تبتسم للجميع في اِنتظار الأمير الذي سيأتي لا محالة ويأخذها لقصره …

الراقصة
الراقصة

كانت تدورحول طاولات الزّبائن، اِنتابتها حالة من الشّعور بالحريّة وهي ترقص، وترقص … روائح المسك والعنبر تعبق في الأجواء وتخترق زوايا جسدها أضواء الشّموع في كل أرجاء القاعة … تضفي جوا رومانسيا شيقًا … الموسيقى تنفذ إلى خلايا جسدها وتندمج معه فيتولّد ذلك التوافق البديع بين لغة الجسد و لغة الرّوح، كان جسدها يهتزّ طربًا ومُتعة ولذّة، يُخاطب الحضور بحركات وإيحاءات شبقيّة يستجيب لها الجميع، فتضاعف من غنجها، تلامس فخذيها برقة تمرّر يدها على فرجها، تداعب ثدييها سارحة بخيالها حيث يجلس حبيبها … تقترب منه فيبتسم مُحرجًا من تلك النّظرات حوله … هل يُقبّلها أمام الجميع؟ هل يمسكها من خصرها ويطبع قبلة على صدرها؟ ذلك ماتريد … هو تمامًا ماتشتهي … أوربما أكثر وأبعد من ذلك … إنهامُتطرفة لأقصى الحدود، يعرفها،ويجذبه نحوها ذلك الجنون … تنتابه قشعريرة وهو يشمّ رائحة الأنثى المُتنمّرة التي بدأت تتغلغل في أنفه وتفقده رشده، يشعربتمرّد قضيبه مُنتصبا مُندفعا إلى الأمام … ياللفضيحة! … لقد فلت منه زمام الأمر … تبًا لها من عاهرة تستدرجه ليجامعها أمامهم، ينظرون إليه ولسان حالهم يقول «ماذاتتنظر؟ إنها تتحداك … ألم تفهم ندائها؟ اِقتحمها بقضيبك اِفتحها واستول على أماكنها وأترك بصمتك هناك … هي لك … هي قحبتك … هي حرثك، فأت حرثك أنى شئت» … ينهض من الكرسي، ينزع ثيابه ويتّجه نحوها عاريًا، يمسك قضيبه بيده:«تريدينه؟تعالي إذن!» … تحاول الإفلات من قبضته… «النّاس … النّاس حولنا». يمسكها ويرميها أرضًا. تستسلم له. «أنزع ثيابي؟»لا … قلت لك لا … يفتح ساقيها، يُمزّق ملابسها ويلجها بوحشيّة، تصرخ ألمًا ولذّة فيستجيبب عواء تهتزّله السّماء، تثور، تنفجر، تدمدم مسبحة بحمدالله … يلتفت حوله «أينهم؟ أين اختفوا؟». تضحك: «نحن وحدنا … أقصد نحن الإثنان وثالثنا الشّيطان لاغير»، وتستطرد: «أحبّه لأنه الشّاهد الوحيد على حبّنا … وأنت؟». «نسيت أن الله شاهد على حبّنا كذلك … إذن أحبهما الإثنين معًا: اللّه والشيطان … وأنت؟». «أنا أحبّك أنت يامتمرّدة … ياحلوتي»

 

كاتبة من الجزائر

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة …

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.