الجمعة، 20 سبتمبر 2019

إذا لم تتكلم سأقطع خصيتك!

الصّحافي الجزائري في جريدة «لوموند» وراديو «فرانس كيلتير» خالد سيد محند، قضى أكثر من ثلاثة أسابيع  في أحد مراكز الاعتقال بدمشق (2011). يسرد في هذا المقال جزء من تجربته مع جلادي سجون الأسد.

 

خالد سيد محند
خالد سيد محند

أحد الأصدقاء حذّرني: «تجنّب الذّهاب إلى دمشق. لديك أصدقاء بإمكانهم أن يوفّروا لك معطيات لكتابة مقالاتك». لم يكن اقتراحًا مثاليًا، لأنه كان سيفرض عليّ الدّوران في حلقة مفرغة، والاكتفاء بشهادات مُتطابقة عن الثّورة السّورية التي كانت قد بدأت قبل ثلاثة أسابيع. تذكّرت تحذيره لي لما شاهدت أعوان المُخابرات السّورية يدخلون مقهى «دومينو» للتّحقيق معي. قبل وصولهم بنصف ساعة، كانت قد اتصلت بي شابة على هاتفي النّقال. اقترحت عليّ تزويدي بمعلومات وعقدت معي موعدًا على السّاعة الخامسة والنصف بعد الظّهر بباب توما. لكن سبعة رجال أشداء وصلوا قبلا واعتقلوني. قيّدوا يداي وشرعوا في مساءلتي.

الشّخص الذي كان مُكلفا بحراستي كان يشبه الثّور. لكنه بدا لي هادئا وكريما، قدّم لي كوب شاي، وأشعل لي سيجارة. بعد مساءلة غير منظمة ومصادرة كومبيوتري الشّخصي، اقتدوني إلى التّاكسي. وضع الرّجل رأسي بين قدميه. لكني عرفت وجهتنا بعدما لمحت لافتة تمجد النّظام وأدركت أننا كنّا نتجه إلى جنوب دمشق، إلى كفر سوسة تحديدًا، حيث يوجد مقر المخابرات. وجهة تأكدّت منها بعد 24 يوما، مع إطلاق سراحي. هناك حيث بدأت المساءلة الثّانية، في مكتب بالطابق الثّاني. بدات بأسئلة غريبة، من قبيل: «هل تعرف أسامة بن لادن؟ هل دُعيت إلى البيت الأبيض خلال إقامتك في الولايات المتحدة؟» وجدوا أعصابي باردة. وردودي هادئة جدا.

بعد ساعتين من التّحقيقات، دخل رجل وقف له الجميع لتحيته. خاطبني: «ستتكلم! إذا لم تتكلم سأقطع خصيتاك واقتلع قلبك بيداي». وجّه لي صفعة اسقطتني من الكرسي. قبل أن يخرج من الغرفة و أفهم بأنه أعطى الضوء الأخضر لأعوانه لضربي.

صفعاتهم لم تحرك شيئا فيّ مما أثارغيظهم.

أخذ أحد جلادي يدور حولي، مبتسما وحاملا عصا كهربائية. سألني عن هويتي وعن نشاطاتي، ليصفعني صفعة كادت أن تقتلع أسناني. في ذلك الوقت رنّ فجأة هاتفي. رقم المُتصل يُظهر بأنّه من العربية السعودية. كان رقم صديقة فلسطينية ذهبت في زيارة لأهلها هناك.. «كذاب!» صرخ في وجهي الجلاد. «لديك علاقات مع بندر بن سلطان، زعيم المخابرات السّعودية» قال لي. وجّه لي صفعتان وركلتان. ولم يعير اهتماما لإجاباتي التي وصفها بالكاذبة. فقد كان أعوان المخابرات السورية مقتنعون بأنني ذهبت إلى تركيا لملاقاة ضباط أمريكان من قوات الناتو، وليس للقيام بربورتاج عن الانتخابات التشريعية. بالنسبة إليهم، كان تواجدي في لبنان دليلا على علاقتي بسمير جعجع (المعادي لسوريا) وليس للتّدريس بجامعة أنتونينس.

تعجبت من أن جلاديّ كانوا ممتلئين بالبروغاندا الرسمية. لا يدركون أن السعودية كانت (آنذاك)على علاقة حسنة مع سوريا التي دعمت فكرة تدخل عسكري سعودي في البحرين؟ كما لم يسمعوا سكرتيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصف الرئيس بشار الأسد برجل الاصلاح؟

وضعوني مجددا على كرسي، عصبوا عيناي، وثبتوا خيوطا كهربائية على مناطق عدة من جسمي، بما في ذلك العضو الجنسي. انتظرت، مذعورا، صدمة كهربائية لم تأت. كانت محاولة تخويف لا أكثر. ما اعتقدت أنّها وصلات كهربائية لم تكن سوى كابلات جهاز كومبيوتر. وحاول جلادي تخويفي مرّة أخرى بالإشارة إلى انه يمتلك المعدات اللازمة إذا ما أردت تجريب صعقة كهربائية حقيقية. في تللك اللّحظة قرّرت أن أكشف عن الاسم المستعار الذي استعمله.  اضطررت، تحت التّعذيب، الكشف عن أسماء من قدّموا لي شهادات. وبقيت متمسكا بالأمل، أمل أن يطلقوا سراحي قبل أن يقرؤوا ويترجموا مقالاتي. حيث لم يسبق قبلي أن تمّ احتجاز صحافي أكثر من 48 ساعة.

التحقت، بعد التّحقيقات، بمجموعة معتقلين سوريين، تبدو عليهم ملامح التّعذيب واضحة. قادونا إلى زنزانات انفرادية. وجدت نفسي في الزنزانة رقم 22. وصرت مُعرفا بهذا الرقم. هناك نمت قبل أن استيقظ على صرخات. كانت صرخات جلاد شرع للتّو في مساءلة مُعتقل. الكلمات الوحيدة التي التقطتها كانت عبارة عن كلام فاحش مع تكرار لسؤال «من؟». كنت أعرف، من لقاءاتي بمعتقلين، قبل توقيفي، أن جلسات التّعذيب لا تهدف لاستخراج معلومات، بقدر ما تهدف إلى معاقبة وإهانة وترهيب المعتقلين.

كان صوت تأوهات المعتقلين يطغى، في الغالب، على صوت الجلاد. كنت أشعر بارتفاع ريتم نبضات قلبي. تملكني الخوف. في المساءلة الثّالثة التي واجهتها، وجّه لي الجلاد أولا صفعات، ممزوجة بشتائم، وأشار لي بأنه لن يكون بيننا مترجم.

  • أحك لنا كل شيء
  • ماذا تريد أن تعرف؟
  • كل شيء! من البداية…من الميلاد

انتهت المساءلة بدخول رجل ذو حنك حاد طالبا من جلادي إنهاء التّحقيق. كان وجهه محملا بمارات الكره والغضب. تساءلت كيف أمكنه كرهي بهذه التلقائية؟ أعدت التّفكير في الفوارق بين لطف وفظاظة الدمشقيين. في اليوم التّالي واجهت المساءلة الرابعة. كان ذلك في 11 أفريل. العتمة لم تسمح لي بتحديد الوقت. جلادي استقبلني بابتسامة وطمئنني بأنني لن أتعرض لتعذيب.  طلب مني أن أترجم له الملاحظات التي نسيت حذفها قبل أن يقترح عليّ منصب عمل، وهو التّجسس على زملائي السّوريين مقابل الحصول على اعتماد صحافي وبطاقة إقامة.

جواز سفر الصّحافي
جواز سفر الصّحافي

الأيام التالية ميّزها توافد معتقلين تم توقيفهم أثناء مظاهرات. حينها أدركت أن ريح الغضب كانت تهبّ على مدن سورية أخرى، وعلى مختلف أحياء دمشق. حاولت أن أعد الأيام بعدد وجبات الافطار الصّباحي لكني فشلت. أضعت معنى الزّمن. حاولت الحديث مع بعض المعتقلين، المكلفين بتوزيع الوجبات، أو فتح الباب للذّهاب إلى المرحاض، لأستفسر منهم الوضع. كنت أتحدّث معهم ثوان معدودة لتبادل معلومات. «غدا الجمعة، سيفرجون على المعتقلين» قال أحدهم. الأمل صار خيبة. بدل تسريح المعتقلين زاد عددهم، واكتظت بهم الزنزانات، التي كانت تحتضن ثلاثة في مساحة لا تتعد المترين مربع. تعرضوا جميعا للتّعذيب. حاولت تبادل الحديث مع بعض المعتقلين لكن حالتهم المرهقة لم تكن تسمح لهم بالحديث.

تعرفت في السّجن على علي، جندي يبلغ 21 سنة. اُعتقل لما كان ذاهبا إلى الصّلاة يوم الجمعة، مع العلم أنها ممنوعة في عرف الجيش، خصوصا في فترة الاضطرابات. عشية اليوم حيث كنت سأبلغ الأسبوع الثاني من اعتقالي، علي أسرّ لي بشائعات تفيد بإطلاق سراحنا جميعا في غضون 24 ساعة. غداة ذلك، شيئا لم يحصل. وشعرت في صوت علي بمرارة عميقة.

في أحد الأيام، في وقت الغداء، اهتز مركز الاعتقال على نواح شاب لم يتعدى العشرين. كان يتوسل الله وينادي أمّه. الكلّ أشفق على حاله بما في ذلك الجلاد. وطلبوا منه، بعد ساعات من ذلك، أن يبكي ولكن بصوت منخفض. وظلّ يبكي ثلاثة أيام دونما توقف.

في أحد المساءات ظهر معتقل جديد. لم تكن له زنزانة فقد حكم عليه بالبقاء واقفا، معصوب العينين ثلاثة أيام. ثلاثة أيام كان يواجه فيها أيضا مساءلات المحققين. فهمت بأنه تم توقيفه وبحوزته قرص مضغوط يحتوي معلومات مغرضة عن النظام. كان قادما من شمال البلاد وربما وصل إلى دمشق لنشر المعلومات التي كانت بحوزته على مواقع الانترنت، التي تربط بين الثّوّار وتنظيمات الدّفاع عن حقوق الانسان، ووسائل الإعلام الأجنبية.

قلقي من طول مدّة الاعتقال دفعني إلى الدّخول في إضراب عن الطعام. كانت تجربة مرهقة. كما لو أنني كنت أصوم شهر رمضان ممتد. وتفاجأت حينها مما بادر عن السجانين – مع العلم أن طبيبا محملا بحقيبة أدوية كان يمر لفحص المعتقلين – حيث بدوا غير عابئين بإضرابي عن الطعام. ربما لأن قيادتهم أبلغتهم بأنه سيتم إخلاء سبيلي في اليوم الموالي، في 3 ماي، اليوم العالمي لحرية التّعبير، تزامنا مع مرور عشر سنوات من بداية عملي كصحافي.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.