الخميس، 18 يوليو 2019

«شارلي إيبدو» في الجزائر

 بعد مجزرة «شارلي إيبدو»، الأسبوع الماضي، وسقوط صحافيين ورساميين، تذكّر جزائريّون سنوات التسعينيات، لما كان الصّحافيون يموتون في صمت..

 

صورة: عدلان مدي
صورة: عدلان مدي

مصطفى عبادة، إسماعيل يفصح، ياسمينة دريسي، سعيد مقبل، عمر ورتيلان، زبيدة بركان، لمين لڤوي، رشيد خوجة…هي أسماء بعض الصّحافيين الجزائريين الذين دفعوا روحهم ثمنًا للالتزام بالمصداقية، في فترة مخاض حرجة كانت فيها البلاد تعيش حرب داخليًة، ويطفو عليها سؤال مُفخّخ: «من يقتل من؟»..صحافيون قضوا بحثا عن الحقيقة..ماتوا في صمت، ونسي القضاء حقهم في القصاص..فبحسب تقارير فقد صُنفت ملفات اغتيال الصحافيين في إطار «قضايا الإرهاب»، تمّ التّغاضي عنها، وتجهل، لحدّ السّاعة، عائلات الضحايا هوية منفذي عمليات القتل.

حرس الظّلال

في الغالب، يجد الصحافي نفسه، أوقات الأزمة، في مواجهة المضايقات؛ قد يتعرض للاعتقال، الضّرب، السّجن، أو التّعذيب، في أسوأ الحالات، لكن صحافيي الجزائر شكلوا الاستثناء بين عامي 1993و1998، حيث لم تعرضهم محاولاتهم لكشف خيوط اللعبة السياسية التي كادت أن تعصف بالبلد، سوى للرصاص، فسقطوا واحدة تلو الأخرى، أمام مرأى عالم لم ظلّ صامتا وقتها، ونُسبت الاغتيالات، التي بلغت، بسبب تكررها بالطرق نفسها، درجة «العبثية» إلى الجماعة الإسلامية المسلحة، رغم أن قيادي سابق في الجيش الجزائري (محمد سمراوي) حمّل السّلطة جزء من المسؤولية، ونسب إليها عمليات قامت بها بنية تخويف البقية.

كانت الجرائد الجزائرية وقتها تتبنى الأسود لونا مفضلا لها، وتكّثر من بيانات الحداد والرثاء، وترفع وردة في مواجهة حدّ السيف؛ كان كلما سقط صحافي ولد آخر، كانت آلة الموت لا تفرق بين ضحاياها، كانت تحصد الأرواح بعيون مُغمضة، لما ينجو منها أيضا الصّحافيون الأجانب، وسقط الفرنسي كومنيرأوليفي، الذي كان يعمل لصالح  قناة «ABC NEWS» الاسترالية ضحية لبربريتها(1994).

محاولات تدجين الصّحافة الجزائرية، والحدّ من سلطتها وقمع صوتها وحقّها في نقل صوت الشارع، لم تتوقف على عمليات القتل، بل تعدتها إلى انتهاك حريات التعبير، فكثير من الصّحف أغلقت، مثل أسبوعية « La Nation» التي اشتهرت بخطها الافتتاحي المُعارض، وانتقادها لسياسة الحكومة، ودفاعها عن حقوق الإنسان..لاقت الأسبوعية ذاتها مصيرا «محتوما» في زمن لا يُقرّ بتعدد الآراء والحقّ في التّعبير، وتلتها لاحقا جرائد اخرى لاقت مصيرا مماثلا، على غرار يومية «Le Matin»، التي دفعت ضريبة معارضتها لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة ثانية(2004)، وزجّ بمديرها السّابق الكاتب والصّحافي محمد بن شيكو في السّجن سنتين كاملتين، كما واجهت أسبوعية «المحقق» مصير الغلق، بعدما تميّزت عن نظيراتها بنشر تحقيقات وريبورتاجات تكشف بعض مظاهر الفساد في البلاد..

أمام تواصل الحصار المفروض على حريّة التعبير في الجزائر، يظلّ السؤال القائم، هل مات شهداء الحريّة سنوات التسعينيات، من أجل قضية خاسرة؟

ضمير الغائب

صورة: عدلان مدي
صورة: عدلان مدي

الصّحافي الجزائري يكتب باسم مستعار ليس تحفظا على مصادر المعلومة، و إنما حفاظا على روحه.. فمن كان يكتب سنوات التسعينيات، كان يعرض نفسه غصبا لمنطق سادة الحرب..حيث اُنتهكت وقتها كثير من الأعراف الدّولية، ولم تجد سلسلة الاغتيالات التي استهدفت صحافيين من مختلف القطاعات: التلفزيون، الاذاعة والصّحافة المكتوبة، صدى لها في سبيل تحرير الاعلام من سطوة السّلطة.. فالصحافة المستقلة، التي ولدت عقب أحداث اكتوبر/ تشرين الاول 1988 الدامية، تبقى رهينة ميول الحكومة، التي تبسط يدها عليها، من خلال احتكار تسيير كبريات المطابع، إضافة إلى سيطرتهاعلى سوق الاشهار الذي يمثّل مصدر التمويل الأساسي للجرائد…كثير من الصّحف توقفت عن الصدور – مؤقتا او نهائية – بحجة تراكم ديونها في المطابع، فصحيفة «الجزائر نيوز» مثلا تمّ منعها من الصّدور بعد رفض المطبعة الحكومية التعامل معها، وتظلّ، في الوقت نفسه، الوكالة الوطنية للنشر والاشهار الحكومية تحتكر قرابة 90% من سوق الاشهار، واقع دفع منظمة «مراسلون بلا حدود» إلى مقاربة واقع حرية التعبير في الجزائر بما يجري في دولة بورما التي تحكمها سلطة عسكرية منذ 1962..

الصّحافة الجزائرية المستقلة التي تناهز ربع قرن ، والتي يحكمها قانون إعلام مكبل للحريّات، تواصل، في الوقت الرّاهن، الدّفاع عن مكاسبها التي حققتها بالدّم وبأرواح آلاف الأبرياء، الذين سقطوا، أعوام التسعينيات..تسعى لتجاوز ضغوطات السّلطة، بالمراهنة على ليونة الخطاب والتّشبث بالحقّ في التعبير…«الصحافي ليس معارضا، بل مجابها للسلطة» هكذا يتفق بعض الصّحافيين على التّعريف بمهمتهم…الأوضاع السياسية الهشّة التي ميزت انتقال البلد من عهدة الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، أتت على الأخضر واليابس، كانت المرحلة الأسوأ في التاريخ المعاصر للبلد، لم ينجو منها لا الطفل ولا الشيخ…ودفع الصّحافيون من أجلها ضريبة غيرتهم على مهنة المتاعب، في سبيل أن ينعم الآخرون بالحقّ في المعلومة.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.