الجمعة، 20 سبتمبر 2019

وثيقة: حوار نادر مع مولود فرعون

بين الرّوائي مولود فرعون والصّحافي موريس مونييه نشأت صداقة دامت طويلا بين الرّجلين. كانا يتراسلان، ويطلب كل واحد منهما رأي الآخر في قضية ثقافية أو مقال أو كتاب. ولقاء موريس مع مولود لم يكن لقاء صحافي مع روائي، فالمودة كانت حاضرة بينهما، لهذا نلاحظ مولود فرعون وهو يتحدث بكل صدق في هذا الحوار الذي أجراه معه مونييه، أياما قبيل صدور رواية  «الأرض و الدّم»، والحوار يترجّم، لأول مرّة، إلى العربية*.

 

نجاح نجل الفقير حفزني على تأليف كتب أخرى.
نجاح نجل الفقير حفزني على تأليف كتب أخرى.

حدثني عن روايتك الأولى؟

كتبت “نجل الفقير”(صدرت عام 1950) أثناء سنين الحرب الغامقة، وعلى ضوء مصباح تقليدي، وقد سخّرت كل ما أملك لانجاز هذا العمل.

تعتبر سيرة ذاتية، أليس كذلك؟

نعم… أنا مرتبط جدا بهذا الكتاب. وقت كتابته لم أكن لأشعر بحاجتي للأكل، إلاّ عندما كنت أشعر فعلا بالجوع، وسرعان ما دفع بي الأمر إلى أن أضع الثقة الكاملة في إمكانياتي. النجاح الذي حققه حفزني على تأليف كتب أخرى.

ماذا كان يعمل والدك؟

خلال الفترة التي ولدت فيها، كان فلاحًا. لكن منذ 1910 اضطر لمغادرة أرضه الأصلية سعيا للرّزق في مكان آخر. خلال تلك الفترة لم يكن الأمازيغ يذهبون إلى فرنسا بعد، كانوا يفضّلون الجهة القسنطينية(شرقي الجزائر)، بعد ذلك انتقل إلى العمل في مناجم الشمال، وبالتحديد مدينة لينس، ثم تنقل إلى المنطقة الباريسية، كان يشتغل في مصانع صهر الحديد بأوبرفيليي عندما وقع له حادث. يمكن القول أن أبي تعب كثيرا لضمان رزق أبنائه.

كم كان عدد أبنائه؟

خمسة أبناء. شقيقي الأصغر هو أيضا معلم.

في كتابك نجل الفقير تحدّثت – مع تحويله طبعا إلى الرواية – عن طفولتك وعن دراستك. لقد حققت غايتك بإرادة كبيرة، أقدّر فيك كثيرا هذه الجرأة.

غلاف رواية نجل الفقير
غلاف رواية نجل الفقير

بفضل تفهّم أحد أساتذتي تحصلت على منحة، زاولت دراستي في البدء بتيزي وزو لينتهي بي المطاف إلى المدرسة العادية للأساتذة بالجزائر العاصمة.

متى تمّ تعيينك مُعلما؟

في سنة 1935 ، منذ ذاك التاريخ درّست في عدة أماكن، وخاصة في “تاوريرت موسى”، على بعد كيلومترين من قريتي الأصلية، خلال الفترة من 1946 الى 1952.

أنت حاليا مدير مدرسة البنين بفور ناسيونال (مدينة الأربعاء حاليًا)؟

نعم منذ شهر أكتوبر الأخير، وهي مدرسة تضم 300 تلميذ مع تقديم دروس إضافية.

هل أنت راض؟

لابأس! الماء يصلنا بشكل عاد والكهرباء، الطبيب والصيدلية بجوارنا، الأطفال يدرسون بشكل جيّد، منضبطون، لأنهم متعطشون للمعرفة بدون شك.

أنت متزوّج ، أليس كذلك؟

ولدي ستة أطفال.  ابني الأكبر عمره ثلاث عشر سنة.

(عدنا إلى «الأرض والدّم»، كان مولود فرعون يتحدث و يتحدث … كنت أشعر أن هذا الكتاب نال كل عنايته واهتمامه لعدة أشهر، الكتاب كان لا يزال يعيش معه رغم أن مخطوط الرواية كان في باريس…)

كيف جاءتك فكرة هذه الرواية الجديد؟

غلاف رواية الأرض والدم
غلاف رواية الأرض والدم

سبق أن قلت لك أن نجاح عملي الأول شجّعني على كتابة عدد من الأعمال الأخرى ، يجب إضافة التّالي: جاءتني فكرة أن بإمكاني ترجمة الرّوح الأمازيغية، أن أكون شاهدا، أنا من أصول قبائلية قحّة، من المفيد الإشارة الى أن القبائل لا يختلفون عن الآخرين، كما ترى، أنني في أفضل موقع لأقول هذا، يمكنك أن تسجل أنه عندما اتخذت قراري هناك شخص “أنغصني” كثيرا، إنه صديقي “إيمانويل روبلس” الذي أعرفه منذ 20 سنة.  ففي كل مرة يسألني: أين وصلت؟ عمل مرهق، أنا أترقب روايتك… لقد جاء يلحّ في طلبي أكثر من مرة بتاوريرت، كنا نقوم بنزهات على متن سيارته في كل مرة…

لنقل أن الصداقة بالنسبة إليه ليست عبثا.

ماهو موضوع رواية الأرض و الدّم؟

كنت أتصوّر أن هجرة الأمازيغ يمكنها أن تمنحنا مادة لعمل أو عدة أعمال مهمة جدا، لقد ميّزت بين مرحلتين اثنتين : من 1910 إلى 1930، ومن 1930 إلى السنوات التي نعيشها الآن. تهتم رواية الأرض والدم بالفترة الأولى، أما المرحلة الثانية سأكتب عنها رواية أخرى.

ولماذا فترتين؟

في رأيي ثمة فرق كبير بين المرحلتين: عقلية أمازيغ اليوم الذين يتوجّهون إلى فرنسا ليست هي نفس عقلية الأمازيغ الذين فتحوا لهم الطريق. أمازيغ سنة 1953 أفضل تسلحا من سابقيهم، ذلك لأنهم يستطيعون بسهولة التّكيّف مع نمط معيشة “المتروبول”(فرنسا). بالمقابل يبدو قدماء الأمازيغ أكثر ارتباطا بقُراهم، بأرضهم، بالجدران القبائلية. كانوا يسرعون في العودة إلى قراهم بشيء مما اقتصدوه هناك، وذلك لتحسين وضعيتهم في القرية وهو أمر لا يحدث بالضرورة اليوم.

وما هي تيمة الرواية؟

رواية «الأرض و الدّم» تحكي قصة عامر، طفل عمره أربعة عشر عامًأ، أُرسل إلى باريس مع جيران له، حدث ذلك قبل الحرب العالمية الأولى، في البداية كان طباخا في تجمع سكني صغير بقريته، وسرعان ما انتقل هذا الشاب القبائلي للعمل في المنجم مثل رفاقه، في أحد الأيام قتل خطأ مواطنا له، ولأنه لم يتجرّأ الدّخول إلى منطقة القبائل (خشية أن يتعرض لانتقام عائلة المتوفي)  قرّر العيش في فرنسا، مرّت خمس عشرة سنة على ذلك، وسرعان ما طغى نداء الأرض والرغبة في العيش ببساطة على الحذر الذي كان يلتزمه، وهكذا دخل إلى قريته مرفوقا بزوجته ماري وهي امرأة باريسية أنغصتها الحياة هناك، سنتان بعد ذلك حدثت المأساة..

الكاتب والناشر إيمانويل روبلس

هل لديك مشايع أخرى؟

نعم ، ذلك أن الميدان الذي يمسّ الروح القبائلية شاسع جدا، الصّعوبة تكمن في التّعبير عنها بأكثر وفاء ممكن.

هل هناك تتمة لنجل الفقير؟

الأمر ممكن… وقبل ذلك سأنشر من المؤكد عملا يرسمه – بوروتري –  باقة من مشاهد تعكس الحياة القبائلية : اجتماع عمومي ، ينبوع القرية، السّوق، عودة المسافرين من فرنسا… إلخ. ليختتم الكتاب بحكايات قبائلية.

متى تكتب؟

أكرّس يومي كله لمهامي المهنية، أكتب كتبي ليلا أو خلال العطلة، أسوّد أوراقي تقريبا كل يوم بين ثلاث إلى أربع صفحات، إلا عندما يتمنّع عني إلهام الكتابة في هذه الحالة لا ألحّ…

هل تعمل طبقا لمخطط؟

أبدأ بإعداد مسوّدة ضخمة من الكتاب، أمرّر سردي وأنا أكتب. باختصار، أنا أعرف أين أذهب، ولكن  مع مرّ الكتابة تأتي مشاهد وأوضاع لم أكن أضعها في حسباني.

ما هو الموقف الذي تأخذه عن شخصياتك؟

أضع نفسي في مكانهم. وفي النهاية الشّخوص هم الذين يقولون لي ماذا أكتب.

ما هي الكتب التي تحبها؟

لقد قرأت كتبا كثيرة، و من جميع الأصناف، أنا الآن أكثر إلحاحا مما كنت عليه في السّابق، أتذوّق الكتب الإنسانية الحقيقية، الكتب التي تثمّن الإنسان في جميع أبعاده، لأن الإنسان ليس بصراحة خيّرا، و ليس بصراحة شريرًا. الكاتب كما ترى ليس لديه الحق في الحديث عن الإنسان باستسهال ، ألست مع رأيي؟

 

 

*أُجري الحوار بتاريخ 27 فبراير 1953، و نُشر في صحيفة  “L’Effort algérien”  التي كان موريس مونواييه يرأس تحريرها.

ترجمة:  بوداود عميّر

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …

الكتابة لحظة وعي أم وظيفة أيديولوجية؟

سؤال افتتح به الكاتب الرّاحل محمد بوشحيط(1943-1996) كتابه الأوّل، الذي صدر عن المؤسسة الوطنية للكتاب(1987)، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.