الأحد، 15 ديسمبر 2019

من الجزائر إلى البوسنة: دم بلامبررات

نذير مصمودي
نذير مصمودي

رحل نذير مصمودي دون أن يدوّن شهادته الأهم، عن حرب البوسنة و الهرسك، التي عاشها من الدّاخل، كصحافي. أغمض الرّجل عينيه دون أن يخوض في واحد من الملفات الشّائكة، وقضية تجنيد جزائريين في حرب لم تكن تعنيهم، لا من قريب ولا من بعيد، حرب انفصالية تحوّلت في أعين الجهاديين إلى معركة دينية، وجعلت من البوسنة قبلة لطلب الجنّة وتبرير الدّم المهدور.

بين عامي 1992و1995، عاشت البوسنة والهرسك حربها الأشرس ضد الصرب و الكروات، بعدما قرّرت الانفصال عن يوغسلافيا سابقا وتشييد قوميتها، التي تعارضت مع أفكار الجار الصّربي، لتدخل المنطقة كلها في صراع دام، ومسلسل من المجازر والاغتيالات، من كلا الطرفين، ما تزال آثاره قائمة لحدّ السّاعة.

في تلك الحقبة، طفى على المشهد لاعب غيرمتوقّع، حاول أن يكسب دورًا فعالاً، ونقصد هنا فئة المجاهدين العرب، الذين هجروا بلدانهم، واتجهوا صوب سراييفو، بحجّة أن الحرب ليست سوى امتداد لصراع تاريخي بين النصارى والمسلمين، ومن واجبهم نصرة «إخوانهم» البوسنيين، كما فعلوا قبلاً مع «إخوانهم» الأفغان. تحت تأثير الانفعالات النفسية، والحماسة الشوفينية، تنقّل «مجاهدون»من مصر واليمن وليبيا والجزائر إلى البوسنة(بعضهم تحت مظلة العمل الإغاثي)، وقبلوا شروط الحرب دونما أن يدركوا فعلا تشعباتها. بعض منهم مات ودفن في مكان موته، بحكم أن سراييفو كانت تحت الحصار، والجنائز كانت محضورة، وإلى اليوم يلحظ الزائر القبور المتناثرة، في بعض شوارعها الرئيسية، بعض منها يحمل اسم أصحابها والبعض الآخر مجهول الهوية. ففي الوقت الذي كانت الجزائر تعيش أزمتها الأعمق سنوات التسعينيات، وتستيقظ يوميًا على وقع الاغتيالات و التفجيرات، وجد جزائريون مبررا إستثنائيا لخوض حرب أخرى، على أرض أوربية، وقبلوا المواجهة فيها، ليصطدموا لاحقا بسيناريو لم يخطر قط على بالهم. فبعد نهاية الحرب، وتوقيع إتفاقية دايتون(1995)، بدأت عملية التّصفية، فالإتفاقيات المذكورة كانت تقضي بأن يغادر «المجاهدون» البوسنة، في أقرب وقت، واستمرت عملية ترحيلهم أكثر من عشر سنوات، بلغت ذروتها خصوصا بعد 11 سبتمبر 2001، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. نعم، فقد تحوّل ما كان يُطلق عليهم «مجاهدون عرب» في البوسنة و الهرسك إلى إرهابيين، ولا ننس أن البوسنة سلمت واشنطن ستة مطلوبين من جنسية جزائرية، كانوا يقيمون على آراضيها، لمحاكم واشنطن.

«الحرب المقدّسة» سنوات التسعينيات تحوّلت إلى كابوس مع بداية الألفية الجديدة، وتشير الإحصائيات المتوفرة أن حكومة سراييفو قد سحبت الجنسية البوسنيّة من أكثر من 30 جزائريا، بعض منهم كان متزوجًا من نساء بوسنيات، وله أطفال في المدارس. وصلهم قرار سحب الجنسيّة بالبريد، ولم يكن لهم حقّ الطّعن فيه. ومن بقي منهم هناك فهو مقيّد في سجلات الأمن البوسني، و أي تحرّك مشبوه منه قد يعرضه لإجراءات قانونية صارمة.

البوسنة التي صوّروه في عقول شاب يافع، بداية التسعينيات، بأنها جنّة الدّين، وأرض الجهاد، تحوّلت سريعا إلى أرض طاردة للأحلام المقدسة، والضحية هم أولئك الحالمون الذين راحوا ضحية الوعود الآخروية.

«جزائريو البوسنة» وهو واحد من الملفات التي لم تلق التّعاطي الإعلامي الكافي، ما تزال كثير من الأسئلة الكبيرة تحوم حول القضية، وكان من الممكن أن نستمع إلى وجهة نظر الراحل نذير مصمودي(1956)، خصوصا في ظل غياب الوثائق و التّسجيلات الصّحافية الموثوق فيها.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الحراك في الجزائر والرّبيع العربي

الحراك في الجزائر والرّبيع العربي

د. هبة مهيدة لماذا لم تستثمر الشّعوب العربية فيما سمي بربيعها لتحقّق وثبتها نحو تأسيس …

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.