الخميس، 27 فبراير 2020

أميرة بوراوي ﻟ«نفحة»..تمرّد على الظلاميّة

هي أشهر نساء الجزائر العام 2014. ليست مُعنيّة أو عارضة أزياء، بل مواطنة، تحمل عاليًا صفة المواطنة، مُناضلة ومثقفة، اسمها أميرة بوراوي. اشتهرت بحدّة الخطاب في معارضة ترشح الرّئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية رابعة، خرجت إلى الشّارع، تحدّت قانون منع التّظاهر، أُعتقلت أكثر من مرّة، تعرّضت لحملات عنيقة من صحافة النّظام، لكنها لم تتوقف.. في هذا الحوار تتحدّث أميرة بوراوي عن العلاقة الرّابطة بين المُثقف والمناضل، عن نقاط الوصل ونقاط الفصل بينهما.

 

أميرة بوراوي
أميرة بوراوي

هل من الضّروري أن يكون المُناضل مُثقفًا أم لا؟

النّضال هو دفاع عن قيّم، وعن قضايا عادلة تهمّ المجتمع. والمُناضل يجب أن يكون مُطلعًا على قضاياه. المُناضل يحاول التّحسيس بقضاياه، ومن الجيّد أن يكون مُتعلمًا، ومُتمتعًا بالحدّ الأدنى من المعارف. اليوم، نحن نُناضل بالأفكار، لا بالسّلاح، وهي الطّريق الأكثر تحضرًا لتحقيق أهداف النّضال، من سلم وقيّم، واِبتعاد عن إثارة الكره والنّزاعات.

اللاثقافة تغذّي الخلاف والحقد وعدم الإقرار بالآخر، بينما الثّقافة تساهم في إيحاد أرضيات توافق بين أطراف ربما لا يقتسمون وجهات النّظر نفسها. لما تسبق مصلحة الجماعة مصلحة الفرد يبلغ النّضال غايته.

 وهل يجب أن يكون المُثقف مُلتزمًا بقضايا سياسيّة؟

إذا كان المقصود هو المُواطن المُثقف، والمُتعلم، فمن الطّبيعي أن يتفاعل مع قضايا الرّاهن، التي تمسّ حياته اليوميّة. سيجد نفسه لا محالة متورّطًا في قضايا يدافع عنها. ربما لن يلتزم بها كمناضل وفق التّعريف الكلاسيكي للكلمة(بالانضمام إلى حزب سياسي أو جمعية أو حركة ما، رغم أنه أمر مُستحب)، لكنه سيدافع عن قضاياه بالحدّ الأدنى من الانخراط النّضالي اليومي، وعلى طريقته. أما إذا كان المقصود هو المُثقف الجزائري، فالأمر يختلف. شخصيًا، أعتبر المُثقف مناضلا، هو بالضرورة مناضل، يساهم في تحريك الأوضاع بكتاباته، وهو مُلزم بالتّعبير عن رأيه، و باتخاذ مواقف إزاء القضايا السياسيّة والاجتماعية، وإن لم يفعل، سيفقد صفته كمثقف، وهو ما نلاحظه في الجزائر، فأعداد المثقفين في انخفاض. هم يخشون اتخاذ مواقف تجاه قضايا تخصّ شعبًأ كاملاً. هم يدفعون ثمن عشرية قدّم فيها المثقف ثمنا باهضًأ دفاعا عن حقّه في التّعبير. كثير من المثقفين الذّين وقفوا في وجه التّطرف قتلوا، مما وُلد في نفوس آخرين خوفًا عميقا، والسّلطة السياسيّة لم تمد تمامًا يد العون للمثقفين، بل سعت للتّضييق عليهم ومنعهم من الخوض في السّياسة.

ماهو تعريفك للثّقافة؟

مشكلة الجزائر في مدرستها
مشكلة الجزائر في مدرستها

الثّقافة هي قبل كل شيء قيمة إنسانية، تسمح للفردّ بالتّّفكير، وبالتالي القدرة على التفاعل مع الرّاهن. الثّقافة هي الفاصل بين العاقل وغير العاقل. الثّقافة تسكن التّاريخ والفنون والفلسفة وكل ما يشكّل تراث المجتمع. هل يمكن أن يكون الفرد مثقفا دونما أن يكون صاحب شهادات؟ طبعا، ولكن من دون إهمال ضرورة التعلّم وتوسيع القراءات. لا يمكن أن نثقف أنفسنا من دون مطالعة، فالذي لا يعرف ليس مثل الذي لا يعرف. أعتقد أن الثقافة تمرّ عبر بوابة المطالعة، مطالعة واسعة، غير محصورة في تخصص واحد. مشكلة الجزائر في مدرستها التي لا تشجّع على المطالعة ولا تهتم بالكتاب باعتباره سلاح معرفة. بالتالي، يكتفي الأطفال بما توفره لهم المدرسة الوطنية من كتب مدرسية وفقط. الجزائريون لا يقرؤون، قليل منهم فقط يقرأ، وهو ما يتعارض مع مفهوم الثقافة، ويولد لاثقافة عامّة. الشرّ يسكن في هذه المأساة الوطنية.

 عرفت الجزائر في الإثني عشر سنة الماضية وزيرة ثقافة – مناضلة سابقة(خليدة تومي). انتقلت من المعارضة إلى الموالاة. هل من السّهل شراء ذمم المثقفين الجزائريين؟

خليدة تومي انتقلت من المعارضة إلى الانحناء للنّظام، وكثير من السّياسين فعل الشّيء نفسه. أرى من التّناقض أن نناضل من أجل الدّيمقراطية ونقبل، في الوقت نفسه، العمل مع نظام غير ديمقراطي. هي خيانة لأولئك الذين وقفوا إلى جانبنا. المشكلة ليست في التّقرب من الدّولة، العمل السّياسي معها، وشغل مناصب عليا، هذا أمر نتقبله، فهو تضحية من أجل الأمّة، لكن أن يحصل هذا مع نظام مّستبد، العمليّة تتحوّل إلى جماعة لصوص، وهو ما وقع فيه أولئك الذين خانوا القيّم الدّيمقراطية. لا أُقدّر أي واحد من وزراء أو مسؤولي نظام يتناقض كليّة مع قيّمي الدّيمقراطية. وعن مسألة شراء ذمم المثقفين، أعتقد أن المثقف هو من يتملك قيّما وشجاعة على التّفكير، وليس من يركض خلف المكاسب المادية وسبل التّقرب من السّلطة. طوق نجاة المثقف هي مبادئه التي يضعها في خدمة الآخرين. الإنسان ضعيف بطبعه، وقد يتم شراء صوته، وإن حصل هذا سيفقد طبعا صفته كمثقف.

قبل النّزول إلى الشّارع احتجاجًا على العهدة الرّابعة، في ماذا كنت تفكرين؟ نضالات من سبقك؟ عائلتك؟ أم شيئًا آخر؟

لما قرّرنا التّظاهر يوم 22 فيفري الماضي، حاملين شعارات مناهضة للعهدة الرّابعة، تظاهرنا أولاً، وبشكل رمزي، أمام جامعة بوزريعة، ثم أمام الجامعة المركزية، وذلك للتأكيد على أهمية الجامعة ودور الطّلبة الجزائريين الطلائعي. حينها لم نفكر في تشكيل حركة «بركات». كان هدفنا في البداية إبلاغ النّظام أنه يوجد جزائريون يرفضون الغبن المفروض على الأمّة، وأعتقدت أن القضية ستتوقف عند المظاهرة الأولى، وأننا سنعود إلى بيوتنا لمواصلة النّضال الذي نتبناه منذ عشر سنوات، فقد بدأت النّضال من يوم الحكم على الصّحافي محمد بن شيكو بالسّجن(2004). ليس لأني أعجبت بكتابه(بوتفليقة، بهتان جزائري)، بل لأني لم أتقبل أن يسجن رجل بسبب كتاباته.

بعد تاريخ 22 فيفري، سنحت لنا الفرصة للتّعبير عن آراءنا على بلاطوهات بعض التلفزيونات المستقلة، وتواصل معنا مواطنون يقاسموننا القناعات نفسها، وهكذا ولدت حركة بركات. فيماذا كنت أفكر خلال المظاهرات؟ فكرت في أبنائي الذين سيكبروا في هذا البلد، وأريده بلدًا حرًا، فمن حقنا التعبير عن آراءنا دون أن نُعتقل، ولكن كنت أفكر وقتها، قبل كل شيء، في بلدي الذي يستحق أفضل مما يفرض عليه اليوم من سوء. الدّيكتاتورية والنّظام المُستبد هما عنف مُمارس على الجمهورية، لا يقبله أي مواطن حرّ. كنت أفكر في براعم الدّيمقراطية التي كانت ستنبت في ساحة أودان، والتي كانت ستغير المستقبل. كنت أعرف أننا لن نغير النظام في بضعة أسابيع، لكني كنت مقتنعة أننا سنقدر على إيقاظ الجزائري من التخدير الذي فرضه النّظام عليه سنوات طويلة.   شعرت حينها أنني حيّة، بين مواطنين أحياء، يريدون العيش في بلد حرّ يحترم حريّة التّعبير. وفكّرت خصوصا في أولئك الذين سبقونا في حمل المشعل، ودفعوا الثمن بأرواحهم. فكّرت في سعيد مقبل وطاهر جاعوط، فكّرت أيضا في محمد بوضياف وآخرين دافعوا عن حريّة وكرامة شعب، فشعب لا يمتلك حريّة، هو شعب لا وجود له، هذا ما يسعى إليه النّظام.

تحملين نفس اسم روائية مُهمة (نينا بوراوي). هل يحمّلك هذا مسؤولية إضافية؟

الكاتبة نينا بوراوي تحمل إسمي، أو أنا أحمل اسمها. قرأت بعض رواياتها. أحترم كل الكُتّاب الذين قرأت لهم من عائلتي، عدا العدائيين منهم، فقد تعلّمت منهم كلهم شيئا ما، أو فكرة معينة. وعلاقتي بالكاتبة نينا ليست سوى تقاطع أسماء جميل.

دفاعا عن الحرية
دفاعا عن الحرية

من هو المثقف الجزائري الذي تمنيت مقابلته؟

تمنت مقابلة كاتب ياسين، الذي رحل في فرنسا بعد نضال طويل، فمواجهة نظام مُنغلق على نفسه ستقود إلى اِمتصاص قوانا، رغم ما يمكن أن نحمله من صرامة في مواجهته. تمنبت لقاء سعيد مقبل، الذي واصل نضاله بالكتابة حتى النهاية..أحببت لقاء طاهر جاعوط.. عبان رمضان، مهندس الثّورة الجزائرية، الذي أغتيل بسبب سعيه تجنيب البلد الانحراف الذي يعيشه اليوم. اغتيال العقل بدأ مبكرًا في بلادنا.

لو قدّر لك مخاطبة طاهر جاعوط، بماذا سوف تحدثيه؟

أولاً، أريد أن أخبركم بواقعة حصلت يوم 2 جوان الماضي. في المستشفى الذي أعمل فيه، خاطبت طبيبة التّخدير: اليوم ذكرى وفاة طاهر جاعوط! فأخبرتني أنها كانت شاهدة لما أحضروا جثمان الرّاحل إلى المستشفى، ولما نزعوا حذاءه من قدميه، وجدوا أنه كان يلبس جواربا بالية. بكيت ذلك اليوم في ذكرى رحيل جاعوط. حصل أنني اجتزت امتحان البكالوريا في ثانوية عقبة، وهي الثانوية نفسها التي درس فيها الرّاحل، وأحلم أحيانا أنني ربما جلست في القسم نفسه الذي كان يجلس فيه، ربما ترك لنا هذا الرجل الكبير والمتواضع مؤشرات على الطّريق لنستلهم من نضاله، ونضالات صحافيين جزائريين فضّلوا الوقوف إلى جانب جزائر ممزقة، ومواصلة حمل مشعل الحرية عاليا، في وقت كان يمكن أن يختاروا طريق حياة أخرى أفضل. لو قدّر لي الحديث معه سأخبره أن تضحياته لم تذهب هباء، وأننا كثيرون سنستمر على الطريق نفسها. سأخبره أن غيابه مُفجع و أننا أيتام من دونه، ومن دون رفاقه الذّين منحونا رغبة العيش في بلد حرّ.. لقد تركت يا طاهر جاعوط جزائريين أدركوا حجم تضحياتك وسيذكرونك دائما، ولن ينحنوا لا للجهل ولا للظلامية. . سننتقم لك كل يوم بكتابة وتبليغ عصياننا سلميا على الحماقة وعلى العنف.. سأخبره بأنه ما يزال حيًا بيننا، فبفضله وبفضل مثقفين جاءوا قبله وبعده، نواصل الحياة، فبدون قيّم ندافع عنها نصير مثل الأموات.   سأحدثه عن وقع نضاله المستمر، و أن الجزائر ستتصالح مستقبلا مع نفسها، وذلك بفضله، وبفضل نضالات من تناوب على حمل المشعل نفسه. سأقول له: شكرًا طاهر جاعوط!

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

حوار: أوجيني بورلي وماري فوكي. ترجمة: جلال الدّين سماعن بعد 132 سنة من الاستعمار تخللتها …

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.