الإثنين، 18 نوفمبر 2019

سارتر في فلسطين

 إيف.ك* 

كتب جان بول سارتر عام 1972 مقالاً يساند فيه حقّ الفلسطينيين في الدّفاع عن أنفسهم،عقب الاعتداء على إسرائيليين خلال دورة الألعاب الاولمبية في ميونيخ. مقال يكشف واحدا من المواقف غير المعروفة عن سارتر الذي غيّر لاحقاً رأيه وأقر بدولة إسرائيل.

جان بول سارتر

«غاية الإرهاب هي القتل» هي جملة مقتبسة من مقال صادم، كتبه سارتر ببرودة عام1972، في سنّ السابعة والسّتين، تعرّض للتعتيم وكثير من القراء يجهلونه اليوم. ويضيف الكاتب، الذي كان يعتبر حينها الفيلسوف الأشد تأثيراً على الرأي العام:«إنه سلاح قاتل، لكن المستضعفين لا يمتلكون وسيلة أخرى». القتلة – الذين يضعون قنبلة في حافلة أو في وسط سوق – إنما يلجؤون إلى ذلك الفعل للتّخلص من عنف يمارسه ضدهم آخرون. فسارتر سبق أن أخبرنا أن «الجحيم هو الآخر».

مع ذلك، فإن الفيلسوف غيّر كلية رأيه في السّنوات الثّمانيّة اللاّحقة والأخيرة من حياته، وانتقل من تبرير الإرهاب إلى نفيه المطلق. انتقال لم يتحدث عنه الدّارسون.

جاءت مباركة سارتر للإرهاب ضمن سياق دفاعه عن الحركات التحريرية، ويقصد هنا تحديداً الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي. الفلسطينيون رفضوا عام 1947 قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم البلد إلى دولة عربية وأخرى يهودية، ثم تعرضوا للاحتلال عقب حرب الستة أيام(1967)، وبانت فرصة استعادة أرضهم جد ضئيلة بسبب افتقادهم للسّلاح ولدعم القوى السياسية. «السّلاح الوحيد الذي يتوافر عليه الفلسطينيون هو الإرهاب (…) إن فرنسا التي قبلت التّفاوض مع إرهاب جبهة التحرير الجزائرية التي قادت حرباً ضد الفرنسيين ليس أمامها سوى قبول التفاوض مع الفلسطينيين. هذا الشعب المهجور، المخدوع والمنفي.»

جاء مقال الفيلسوف عقب عملية نفذها كوماندوز فلسطيني خلال دورة الألعاب الاولمبية بميونيخ. حيث تسلّل، في 5 سبتمبر 1972 صباحاً، ثمانية فلسطينيين إلى جناح الرّياضيين الإسرائيليين. لم تكن نيتهم القتل، بل فقط احتجازهم ومقايضتهم بمائتين وثلاثة وأربعين أسيراً فلسطينياً في السّجون الإسرائيلية. لكن، وقع إسرائيليان ضحية الاقتحام، وأُلقي القبض على تسعة آخرين وتمّ إخراجهم من القرية الأولمبية. ثم اقتيدوا إلى مطار ميونيخ حيث طلب الكومندوز طائرة تنقلهم إلى بلد عربي لا يمانع في استقبالهم. ووقع ما لم يكن في الحسبان بعد تدخل الشرطة الألمانية وسقوط سبعة عشر ضحية: أحد عشر رياضياً إسرائيلياً، خمسة من أفراد الكومندوز وشرطي ألماني. الكومندوز كان يحمل اسم «سبتمبر الأسود» تعاطفاً مع الثلاثة آلاف وخمسمئة فلسطيني ضحايا الملك الحسين الذي أراد طردهم من الضفة الغربية – التي أُلحقت بالمملكة الأردنية عام1949.

كتب سارتر: «لا بد من الإقرار بأن عملية ميونيخ كانت ناجحة». وتأتي خلاصة سارتر من ربطه بين المقاومة الفلسطينية والمقاومة الجزائرية ضد فرنسا، من اختلال الموازين العسكرية كنقطة مشتركة بينهما. الربط بينه وبين المقاومة الجزائرية هو إقرار واضح للعلن. سارتر أكد دعمه لعمليات جبهة التحرير في الجزائر ضد الفرنسيين، مدنيين، نساء أو أطفالاً. مع العلم أن المقاومين الفلسطينيين يقومون بالعمل نفسه في الشرق الأوسط. وقد كانوا حينذاك ملتفين حول حركة فتح.

جاءت تصريحات سارتر في أكتوبر1972، أي بعد شهر من العملية، منشورة في جريدة ذات صدى واسع، بسبب الملاحقات القضائية التي تعرضت إليها، هي جريدة «قضية الشعب»، التي أسّستها مجموعة من المثقفين – أغلبهم في حدود سنّ الثلاثين -، تخرجوا مثل سارتر في مدرسة الأساتذة. يطلق عليهم تسمية «الماويين». وصل دعم «الماويين» للقضية الفلسطينية حدّ رشق سفارة الأردن بباريس بزجاجات المولوتوف الحارقة. سارتر وضع اسمه وشهرته في الدّفاع وفي حماية الجريدة التي ترأَّسَ هيئة تحريرها في وقت سابق. حيث نشرت الجريدة نفسها مقالاً سبق مقال سارتر بحوالي الشهر جاء فيه: «كل الذين يعيشون في إسرائيل ليسوا دعاة لفرض الشقاء على الشعب الفلسطيني. لذلك وجب التفريق بين الإسرائيلي العادي والجندي ». كان سارتر حينها الوحيد الذي دافع عن مرتكبي الاعتداء في وقت كانت تنشر فيه الجرائد الأخرى برقيات التنديد. ولم يجد إلى جانبه سوى الكاتب جون جينيه، المقرب من الأوساط الفلسطينية، والذي عبّر عن العملية بطريقة ساخرة قائلاً: «إنما هي مجرد لدغة حشرة على رقبة ألمانيا الثخينة». ويضيف سارتر: «التنديدات العنيفة التي نشرها أصحاب القلوب الكبيرة في الصحف ليست تعني لا الإسرائيليين ولا الفلسطينيين. كما لو أنهم يقولون من الممكن أن نقتل إسرائيليين في بلدهم، ولكن من المهم احترام شرف الألعاب الاولمبية. هذه التظاهرة المقدسة التي أسسها اليونانيون القدامى. هذه الردّة كانت منتظرة. ومن غير الممكن اعتبارها فعلاً منحطاً. لو أن العملية جرت في إسرائيل فإن الصحف كانت ستكتفي بمقال لا أكثر.»

كتب سارتر مقاله على ورق مُخطط، مثل الورق العادي الذي نستعمله غالباً في الكتابة. بخط واضح ومقروء وبقلم حبر أزرق. كان يسكن حينها في أستديو مؤثث وغير فخم – فهو لا يهتم كثيراً بالفخامة -، يقع في الطابق العاشر من عمارة في شارع راسبي بباريس، في الدائرة الخامسة عشر. في المكان نفسه حيث كتب عمله المهم (غبيّ العائلة، غوستاف فلوبير من 1821 إلى 1857). ففي أثناء كتابة هذا العمل تفاعل مع الرّاهن السياسي، بسرعة.

في الغالب كانت مقالات سارتر تأتي بطلب من رفاقه «الماويين» الذين كانوا يضمون بينهم شخصاً سيصير، بعد سنة من ذلك، أي في 1973، سكرتيره الشّخصي، وهو بيني ليفي. شاب متخرج في مدرسة الأساتذة، من مواليد القاهرة عام 1945، في عائلة يهودية تمتهن التّجارة. كان يحمل هوية لاجئ بعد فرار عائلته، على غرار كثير من العائلات اليهودية الأخرى، عقب تأميم قناة السويس.

بالتالي فإن سارتر يمنح مشروعية للعمل الإرهابي. كما لو أنه يقول: إذا كنتم تخوضون حرباً تحريرية، وكان عدوكم يتفوق عليكم في العتاد، وأدار المجتمع الدّولي ظهره لقضيتكم، فلا بأس من الرّكوب في الترامواي أو الذهاب إلى السّوق وتفجير قنبلة. فهو يقارن بينها وبين الثورة الجزائرية التي ساندها.

معروف على سارتر رفضه المطلق لأحكام الإعدام. ورفضه أيضاً لاعتداءات اليسار المتطرف في أوروبا، سواء كانت البريغاد روج في إيطاليا أو جماعة بدر في ألمانيا وفرنسا. كما ربطته علاقة جيدة بالفيلسوف الفرنسي فرنسيس جونسون الذي أنشا شبكة دعم لتوفير مخابئ ودعم مادي لصالح الثورة الجزائرية. سارتر دافع بشدة عن جونسون مصرّحاً عام 1959: «أنا متفق معه تماماً». لكنه لم يذهب بعيداً في الدفاع عن الإرهاب كما وقع في أكتوبر 1972.

من غير الممكن فهم تبريرات سارتر دونما الإحاطة بالإطار التاريخي والأيديولوجي حيث كانت الماركسية، كما عبّر عنها هو عام1957: «الأفق الأسمى لزماننا». صراع الطبقات واضطهاد البروليتاريا كانت القضايا الأهم التي تشغل بال المثقفين المنضوين كانت مظلة الماركسية. هي قضايا تحمل كما أكد عليه سارتر«قوة الكره». وهو ما يبرر ربما: الإرهاب. وهي قناعة لا يتفق معها مفكرون معاصرون لسارتر مثل ألبير كامو الذي كتب في (الرجل الثائر)عام 1951: «باسم الثورة، ماركس يبرر الصراع الذي سيكون دموياً بين جميع أشكال الانتفاض». ويضيف رداً على منتقديه في شبكة سارتر/جونسون: «باكونين هو أحد القلائل الذين تعارض ثورتهم ثورة ماركس في القرن التاسع (…)باكونين ما يزال حياً بداخلي». وتهجّم فرانسيس جونسون على كتاب «كامو» في مجلة (أزمنة معاصرة) وذكر: «إنما هو مجرد وصفة طبخ مسحوبة من الفوضوية». كما تهجَّم عليه سارتر أيضاً وكتب: «ليس مهما معرفة اتجاه التاريخ، بل الأهم هي منحه الاتجاه الذي نراه الأفضل». بالنسبة لماركس أو سارتر اتجاه التاريخ لا يأتي صدفة، بل يتعلق بمعنى الحرية وبفعل الإنسان الذي يرفض الخضوع للحدود. هي نفسها حالة المستضعفين الذين يوجّهون التاريخ أكثر من أي طرف آخر بالنظر إلى أن وضعيتهم تستوجب عليهم حركة تاريخية. الإرهاب يمكن أن يوجد ويتراءى على أنه المنفذ الوحيد للتّخلص من الظلم. وفي ظل الصدام بين سارتر(المناضل السياسي) وكامو(الفنان)، كتب هذا الأخير:«فكر التاريخي وفكر الفنان يريدان معاً إعادة رسم وجه العالم. فكر الفنان يعرف حدوداً لا يعرفها فكر التاريخي. لذلك فإن نهاية الأخير هي استبداد ولذة الأول هي التحرر. كل المناضلين من أجل الحرية إنما هم مناضلون من أجل الجمال».

بعد عام 1952 والمعركة مع (الرجل الثائر)، ثم دعم شبكة جونسون في 1957 وتبرير الفعل الإرهابي في ميونيخ، نصل إلى عام 1976. ففي 7 نوفمبر من العام نفسه، دخل رجل متردد نوعاً ما سفارة إسرائيل في باريس. يحمل نظارات سوداء. سارتر فقد البصر في 1973 بعد إفراط في تناول الأدوية منشطة. وبرر ذلك بأنه يفضل نيل عمل فكري بدل نيل صحة جيدة. كانت ترافقه سيمون دوبوفوار، متأنقة بقميص أزرق – كانت تسلمت قبل عام جائزة القدس-.

الرجل الذي رفض جائزة نوبل للآداب1967 قبل تسلم دكتوراه فخرية من جامعة القدس، صرَّح في صالون السّفارة، بحضور وزير الثقافة فرنسوا جيرو: «إذا كنت اليوم منشغلاً بإسرائيل فأنا منشغل أيضاً بالشعب الفلسطيني الذي عانى كثيراً. فمن خلال الجمع بين الطرفين يمكن إيجاد حلّ لمشكلهم. أؤمن بهذا الحلّ ولذلك قبلت تسلُّم الدكتوراه الفخرية التي أرى فيها عنصر سلام ». ستة أشهر قبل هذا التّاريخ وبعد الإعلان عن اسمه لتسلم الدكتوراه صرح سارتر لصحيفة «تريبين جونيف»: «قبلت هذا التكريم تعاطفاً مع إسرائيل» ودافع عن فرضية دعم إسرائيل وفلسطين معاً مما يتناقض مع ما جاء في كتاب (انطباعات عن القضية اليهودية)، حيث ذكر أن «معاداة السامية هي من تصنع اليهودي». بداية من 1973شرع في تغيير بعض آرائه بعد التعرف إلى شخص «بيني ليفي» الذي عمل سكرتيراً له. حيث سجلاً معاً محادثة حول الحرية والسّلطة. كان بيني ليفي يعيش فترة البحث عن هويته اليهودية ووجد سارتر إلى جانبه ليساعده. وأعاد معاً اكتشاف الفيلسوف الفرنسي اليهودي، ذي الأصول الليتوانية إيمانويل ليفيناس، والذي درسا أعماله في وقت سابق. كما توطدت جداً، في الفترة نفسها، علاقة سارتر مع المفكرة والمختصة في علم التلمود، آرلت ألكايم، التي تبناها عام1964.

هذان الشخصان ساهما، بشكل كبير، في مساعدة سارتر الذي كان عاجزاً عن القراءة والكتابة. «كنت أرى الأضواء والألوان، لكنني لا أفرق بين الأوجه ولا بين الأغراض» هكذا عبر سارتر عن حالته في 1976.

 

*سارتر وعنف المستضعفين، إيف.ك، منشورات أنديجان، مونبولييه، فرنسا

ترجمة: سعيد خطيبي

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة …

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.