الإثنين، 18 نوفمبر 2019

جنّة المازوخيّات

الشّهر القادم يصدر فيلم «خمسون ظلا لغراي»، المقتبس من رواية تحمل العنوان نفسه، للكاتبة البريطانية إيريكا ليونارد جيمس، ومعه ستعود الجرائد والمجلات للتساؤل مجددا عن أسباب نجاح هذه الرواية/الظاهرة.

إيريكا ليوناردا جيمس تحمل رواياتها
إيريكا ليوناردا جيمس تحمل رواياتها

بالكاد صدقنا أن الأدب العالمي قد تخلّص من احتكار البريطانيين وسيطرتهم عليه وعلى مخيال الشباب وطبقات القراء «سريعي الاستهلاك»، بنهاية سلسلة روايات «هاري بوتر» (2011)، حتى برز اسم جديد وثلاثية روائية جديدة، بيع منها في أقل من سنتين 40 مليون نسخة عبر العالم. رقم مبيعات «مُستفز»، مثير للإعجاب، وللتساؤل في آن، رافقه حضور واسع ومفاجئ لكاتبة توحي ملامحها بالقلق وابتذال الظّهور بلوك أدبي، كانت قبل سنتين اسما غير معروف في أوساط النشر والأدب، لتحتلّ الصّفحات الأولى من المجلات المختصة وشاشات البرامج الأدبية التلفزيونية المعروفة، ووجدتني على غرار الملايين، من ضحايا الماركيتينغ الغربي، والرأسمالية الثقافية، أشتري الرواية (رغم حساسيتي المفرطة تجاه ما يطلق عليه best-seller)، أتصفحها في قراءة ماراطونية (550 صفحة من القطع المتوسط)، وأتابع تطورات العلاقة بين شخصيتي أناستازيا (طالبة جامعية سمراء، 21 سنة) وكريستيان غراي (ملياردير، مناجير شركة عالمية، 27 سنة)، وقصة الحبّ الضبابية التي نشأت صدفة بينهما، لما نابت أناستازيا عن رفيقتها كاترين لإجراء حوار مع الشّاب الغني، لصالح مجلة الكُليّة، ويتحوّل اللقاء العابر إلى علاقة مضطربة بعدما اكتشفت بطلة الرواية الميول السادية – المازوشية لعشيقها، ووجدت نفسها في الأخير مُخيّرة بين مواصلة الطريق أو الالتزام بشخصيتها، الخاضعة لتأثيرات تنشئة اجتماعية بروستانتية محافظة.

على مستوى الأسلوب، نلاحظ خطيّة في السّرد، وتماديا في الوصف، كما لو أن المؤلفة توجّه نصها من البداية للاقتباس السّينمائي، وليس للتّجريب الأدبي، يطغى على فصوله حواريات مطوّلة، مع تكرار أحيانا في تدقيق ملامح الفضاء نفسه، وتعتيم على البنية البسيكولوجية للشخصيات، وتغييب للجانبين البحثي والمعرفي، فهي تختصر مدينة سياتل الأميركية مثلا، حيث تدور وقائع الرواية، في تعبيرات مقتضبة، ومن البداية نلاحظ إهتمام الروائية بإقناع القارئ بواقعية قصّتها، أكثر من إهتمامها بالاشتغال على اللّغة والأسلوب، كما يشدّ انتباه القارئ الانتقالات السريعة، في بعض المقاطع، للأحداث، مما يُفقد الرواية طابع السوسبانس، ويحرمها من تحريك فضول القارئ وفتح المجال أمامه لطرح أسئلة، فهي لا تدع للمتلقي مجالا للتفكير أو الشكّ أو التنبؤ بتطور الأحداث، ولا تمنحه حقّ اقتراح سيناريوهات موازيّة، كما لو أن الروائية تكتب لإمتاع نفسها ولا تفكر في غيرها، مع ذلك، فإن العامل الذي لعب لصالحها هو إدراكها وتعمّقها النّسبي في سرد وقائع العلاقات العاطفية – الجنسية – الشبابية، وإسهابها في وصف حالات سادية – مازوخية، إضافة إلى الطّابع الانساني للقصّة، التي يمكن إسقاطها على أكثر من بيئة، ثم عدم انحيازها لأي من بطلي الرواية، مما يجعل من «خمسون ظلا لغراي» نصا صداميا، يقف بين خياري الرغبة والمحافظة في مجتمع أمريكي معاصر لا تعكس صورته الخارجية واقعه من الداخل.. العناصر التي ذكرناها ليست وحدها كفيلة لتجعل من رواية عادية «Best-seller» ، فنحن لسنا في حالة مشابهة لآمبرتو إيكو، حيث تجتمع في الرواية الواحدة عناصر ثلاثة «الحكي، المعرفة والسوسبانس»، ولا أمام حساسية أمريكو-لاتينية حيث يتقاطع التاريخ والواقعية لتحريك النّص، في رواية إيريكا ليونارد جيمس لا نلتمس شيئا جديدا في كتابة الرواية، ولا محاولة جادّة لكسر «المُتداول»، وفي وقت تميل فيه الروايات الجديدة إلى تقديم نصوص قصيرة نسبيا ومُكثفة (بعد انسحاب القارئ الحالي للتكنولوجيا الحديثة وعزوفه عن قراءة الكتب الضخمة) تحدّت الكاتبة البريطانية منطق السّوق وأصدرت الجزء الأول من روايتها في 550 صفحة، فالإصرار على التّكرار وإطالة بعض الحواريات كان واضحأ، إلا أنها في الأخير كسبت الرّهان وتحولت روايتها إلى «ظاهرة أدبية» وحققت أرقام مبيعات عجز عن تحقيقها مشاهير الأدب، من هنا يبدأ السؤال عن آليات صناعة الأدب والترويج للرواية، وكيف نجح الغرب، وفشل العرب، في التسويق لأنفسهم.

نجحت إيريكا ليونارد جيمس في رهانها على نصّ تجاري، وكسبت قلوب القارئات خصوصا، في انتظار تحد الصّورة، مع الفيلم المقتبس من الرواية، والذي لن يساهم سوى في التّرويج للحكاية الورقية ومازوشية أناستازية وسادية غراي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة …

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.