الثلاثاء، 18 فبراير 2020

كامو «يُكَفّر» عن خطاياه!

كمال داود
الروائي كمال داود

من الجزائر خرجت روايّة «الغريب»، ومن رحم «الغريب» وُلدت رواية أخرى ستعيد للجزائر رونقها الأدبي. ففي زمن التوحّش وقطع الأعناق والموت المجاني، نحتفل برواية كمال داود «ميرسو، تحقيق مُضادّ»، ومن خلالها نحتفي بالرواية الجديدة في الجزائر، التي تخلّصت من عقود الترهّلات، وأحاديّة المنطق والنّظرة الجانبية للعالم، ونعيد الإصغاء إلى جيل أسّس لرواية «ما بعد التسعينيات»، بحلم يتَسع أفقيًا، لا عموديًا، منخرطا في الأدب كما عرفه رولان بارت «هواء نستنشقه»، وليس موضة، أو طريقا سهلة نحو النجوميّة. اليوم فقط يمكن أن نقول أن الرواية الجزائرية بخير، نقصد الرواية الجزائرية بتعدّدها اللّغوي، بحماستها، عمقها ونزعتها المتجدّدة لهدم مُسلمات وطرح أجوية لبعض الأسئلة المُعلّقة. قد يقول قائل أن الأمر لا يتعلق بأكثر من ضربة حظّ، أو ذكاء كمال داود «الممسوس ببركة الأولياء الصّالحين»، والذي عرف كيف يلامس العصب الحسّاس في الأدب الفرنسي: آلبير كامو(شخصًا ونصًا)، ويُغازل بذلك «أباطرة» سان جيرمان دوبري، ولو أن الرّوائي نفسه اهتم بشخصية تاريخية أخرى، لما لاقى الحظوة نفسها. تبدو الحجة غير مُقنعة، ومن الطّبيعي أن تلقى رواية «ميرسو، تحقيق مُضادّ» نصيبها من الانتقادات (السّرياليَة أحيانًا)، انسجاما مع الخاصيّة الثقافية المحليّة، المُشكّكة في كلّ شيء، عدا في نفسها، لكن الحقيقة التي يتغاضى البعض عنها، وبعيدًا عما تعرفه الرواية من إقبال في المكتبات وما عرفته من تجاوب بين لجان الجوائز الأدبية، أنها أول رواية جزائرية وحدّت أهم النّقاد الفرنسيين (بما في ذلك المخضرم برنار بيفو) حول رأي واحد، وهي حالة عجزت عن تحقيقها أسماء فرنسية «كبيرة»(ميشال ويلباك، إيمانويل كارار، إلخ). إن إعادة قراءة «ميرسو، تحقيق مُضادّ» تحيلنا إلى ثلاثة ملاحظات مهمّة: أولا، الاستثمار في التاريخ الأدبي المشترك الفرنسي – الجزائري، من منظور جزائري، ينتصر للشّخصيّة الجزائرية (عكس ما ذهب إليه الروائي بوعلام صنصال)، يمثّل مادّة سرديّة خصبة، ستستمر في السّنوات القادمة، ولن تبقى متصلة فقط بعوامل موسمية. ثانيًا، الكاتب الجزائري المحلي، القادم من الدّاخل، ليس أقل شأنا من نظيره المتمتع بحظوة الجغرافيا والقرب من المركز (الباريسي أو غيره). ثالثا، صفة الكاتب – الصّحافي، التي لاقت استهجان بعض قدامى الكُتّاب وسخرية منهم (رشيد بوجدرة مثلا) هي الأقرب للتأقلم مع الأنماط السرديّة الحديثة. تاريخيا، ندرك أن الكتاب القادمون من الصحافة هم الذين أنقذوا الرواية الجزائرية من هاوية الابتذال (محمد ديب، الطّاهر جاووت، إلخ).

هل نقول شكرًا آلبير كامو(صاحب الشّرارة)؟ أم شكرًا كمال داود(الذي أحسن إلتقاطها)؟ هي كلمة نوجهها إليهما معًا، و بالدّرجة الأولى إلى كامو، الذي يقف وراء روايتين من أجمل ما يمكن أن نقرأ اليوم، مانحًا بذلك الرواية الجزائرية روائيا جديدا مهمًا، وحضورًا بهيّا، مكفرًا رغما عنه عن خطايا أٌلصقف به طويلا.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …

“عيون منصور” الرواية التي أنقذت الأدب الجزائري من الخيبة

فاز الروائي الجزائري رياض جيرو (1970) بجائزة الاكتشاف الأدبي في فرنسا لسنة 2019 ، عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.