الأربعاء، 26 يناير 2022

الحاج العنقى، كيف الحال؟

للإطلاع على ما تبقى من ذاكرة الحاج أمحمد العنقى(1907-1978)، لا بدّ من التوجّه إلى حيّ القصبة الشّهير، وبالضبط إلى مقهى ملاكوف، حيث مازالت تتراءى معالم  الجزائر العاصمة الأصيلة، المتمسكة بخصائصها وأذواقها الموريسكية.

 

المقهى يتزين بصور وبورتريهات أشهر مغني الشعبي العاصمي
المقهى يتزين بصور وبورتريهات أشهر مغني الشعبي العاصمي

قبل ولوج الأزقة المُلتفة، نتوقّف في ساحة الشهداء، بمقهى ملاكوف تحديدا. مقهى بذاكرة قرن من الزّمن. يحتفظ بجوانب العراقة. لا تظهر عليه، من الخارج، مظاهر التّرف، وتتزيّن الجدران، من الدّاخل، بصور وبورتريهات أشهر مغني الشعبي العاصمي، على غرار عمر العشاب وعمر الزّاهي. وتتوسطهم صورة كبيرة للحاج أمحمد العنقى(اسمه الحقيقي آيت أوعراب محمد إيدير)، معتمرا شاشية اسطنبولية، حاملا ماندولا. وجدنا صاحب المقهى الحالي أبوبكر، شاب في حدود الأربعين، كاشفنا: «لست مخوّلا للحديث عن العنقى أو الشعبي. والله ما علا بالي. الوقت تبدّل». بدا صاحب المقهى غير مُتحمّس للحديث عن الذاكرة الثقافيّة للمكان، واقترح علينا الحديث لعمي علي (كهل في العقد السّادس)، أحد روّاد المقهى، الذي ردّ من جهته: «خاطيني! شوفوا الشيوخ». وكأن مالكوف صار حاضرا يتنكر لماضيه، حيث لم نجد أثرا ملموسا للعنقى الذي تذكر المصادر التاريخية أنه مؤسس المقهى، بمعية الحاج مريزق. هذا الأخير الذي استفاد من تجربة أخ غير شقيق له يسمى قهيوجي، مؤسس مقهى مجاور، «مقهى الرياضة».

بالخروج من مالكوف، صادفنا «عمي مولود»، يتأبط جريدتين ويرتشف فنجان شاي. حدثنا عن جزء من علاقته مع مقهى ملاكوف وأضاف: «من يريد، اليوم، البحث والتنقيب عن ذاكرة شيوخ الشعبي، خصوصا الحاج أمحمد العنقى، فعليه الصّعود إلى أعالي القصبة». هناك تتصارخ المتناقضات. حاضر يرفض الماضي. وماض يحاول التشبث بإرث يندثر يوما بعد الآخر. وفي ديكور يعبق بالقرن السّادس عشر، لا حديث للشباب هناك سوى عن جديد الكرة وأحدث أخبار الأندية المحلية والأجنبية. ويقول ناصر (24 سنة)، الذي صادفناه بالقرب من إحدى ورشات الصناعات التقليدية: «الشعبي راح زمان.. الوقت هذا يعيش فيه غير المغني الخفيف».

بلغ بنا المطاف شارع سيدي إدريس حميدوش، وولجنا مقهى «الحاج موسى» أين حدثنا صاحب المكان المسمى «ماحي»، رجل خمسيني، وقال: «في هذا المقهى، كان يجلس عبد القادر شاعو وعزيوز رايس وتلامذة العنقى. ولكن، اليوم، القليل فقط من صار يتحدث عنه. يعرفون عنه فقط الشعارات، من قبيل أنه عميد الشعبي وواحد من الشيوخ». ويقول فاروق (24 سنة)، صادفناه في المقهى نفسه: «صحيح أن العنقى شيخ من الشيوخ المهمين، ولكن أفضل الاستماع للهاشمي قروابي وعمر الزّاهي».. وهي ملاحظة يعلّق عليها عمي بوعلام جعود (66 سنة)، رفيق نجل العنقى سيدي علي: «غالبية الشّباب لا يولي اهتماما لإرث العنقى الفني، من منطلق صعوبة فهم النصوص والحكم والكلمات. أغاني العنقى ليست ارتجالية، بل تحمل كثيرا من الفلسفة والتفقه. ومن يريد فهم العنقى، فعليه التمتع بمستوى تعليمي محترم». وتعقب فاطمة (27 سنة): «الشّعبي ليس فقط موسيقى، بل هو نمط عيش وأسلوب تحاور اجتماعي. من يغني الشّعبي، فمن الضّروري أن يتمتع بحد أدنى من التكوين والتفقه في شؤون الحياة العامة». ويواصل عمي بوعلام جعود الذي عرف العنقى: «لما بلغ الحاج أمحمد عتبات النجومية في الجزائر، كنت شابا يافعا، أتابع الحفلات وأعراس الزّفاف التي كان ينشطها. أتذكر أنه لم يتوقف في أحدها عن الغناء، على امتداد ست ساعات كاملة. وكنا في القصبة ننظر إليه بكثير من الاحترام والاعتزاز أيضا. يمتلك كاريزما وشخصية قوية».

مقاهي الأرشيف

 

الحاج أمحمد العنقى
الحاج أمحمد العنقى

تحتل المقاهي مكانة محورية في النسيج الحضري والتنظيم الاجتماعي. ويمثل «مقهى البهجة»، الواقع قبالة البحر، واحدا من الأمكنة المُهمة التي سبق أن ارتادها الحاج العنقى، وهناك وجدنا المشرف عليه حاليا محمد صاص، الذي ورث المهمة عن والده عبد القادر. يقول: «افتتح المقهى أبوابه غداة الاستقلال. احتضن كثيرا من أسماء الشعبي المعروفة، بمن فيهم العنقى. وما يزال المقهى يلعب دورا محوريا في جمع شتات الجيل الحالي وتنظيم قعدات الشعبي، خصوصا أيام الخميس والجمعة وليالي رمضان». وهي تقاليد بقدر ما تحمل بعدا اجتماعيا يهدف للحفاظ على الذاكرة المندثرة، فقد صار يطغى عليها بعد تجاري. يقول مهدي (46 سنة): «تحمل هذه التظاهرات المنظمة في المقاهي بعدا تجاريا، ولكنها تبقى مهمة»، ويضيف: «لا يجب أن ننسى أن الحاج أمحمد العنقى يبقى فنانا خارج التصنيف، أسّس نمطا يخصّه وحده». وعلى خلاف مقهى البهجة الذي يقوم بدور وسطي، صار «مقهى تلمساني» ببور سعيد، يحنّ للماضي القريب، حيث خاطبنا النادل: «راح كل شي. ما بقى والو». ويقول نورالدين (31 سنة)، التقينا به في حيّ باب الوادي: «الشباب اليوم يحترم العنقى كإسم، ولا يدرك ولا يفهم كثيرا من قصائده التي تحمل بعدًا فلسفيًا ومعرفيًا». ويعقب بنبرة ساخرة ومتحسرة: «لو كنت مكان المنتجين، لاقترحت إعادة توزيع أعمال العنقى مع ديجي أو بإيقاع روك معاصر. فهو السّبيل الأمثل لبعث أعماله. لاحظ مثلا تجربة رشيد طه الذي نقل أغنية يالرايح لدحمان الحراشي إلى العالمية».

بالاطلاع على مختلف الآراء التي حاولنا مقاربتها، ندرك أن الحاج أمحمد العنقى يبقى حاضرا في الأذهان، ولكن كإسم في غالبية الأحيان، ويُجهل الكثير من حياة وسيرة الرّجل الذي تحدث عنه محمد الحبيب حشلاف في شهادة قيّمة قائلا: ”كان العنقى فنانا واع بمسؤولياته تجاه البلد، العربية والقضية الوطنية. دافع عن مبادئ الوحدة، مشاعر الحب وقّيم التضامن، ووظّف فنّه من أجل الخروج من دائرة المحلية وولوج فضاء أكثر رحابة، وتجاوز حتى حدود الوطن العربي».

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاب عز الدين: أريدهم فقط “يخلّوني طرانكيل”

قبل رحيله ، كانت صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، قد أجرت حوارا مع المطرب الراحل …

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.