الأحد، 16 يونيو 2019

في زمن التكفيريين… نتذكر طاهر جاعوط

أكثر من عقدين مرّا على اغتيال الرّوائي والشّاعر والصّحافي طاهر جاعوط (1954ـــ 1993) كأن شيئاً لم يتغيّر. اغتيال العقل والابداع ما زال متواصلاً، وكبت الأصوات المتفرّدة أضحى خصوصيةً عربيةً، وجاء ربيع الثورات ليمنحنا أملاً بعهد جديد، لكن الحلم سرعان ما تحوّل «وهماً».

طاهر جاعوط
طاهر جاعوط

أصدر جاعوط باكورته الشعرية «Solstice barbelé»(إنقلاب شائك) عام 1975(كندا) ولم يتوقف يوماً عن كتابة الشعر الذي بدا جلياً في تجربته الروائية «ابتكار القفار» (باريس ــ 1987)، و«العسس» (1991) و«صيف العقل الأخير»… روايات جاءت مفتوحة على فضاءات رحبة على الصحراء والخلاء، محمّلةً بأسئلة الماضي، وبقراءات جديدة لوقائع قديمة وأخرى معاصرة، مع تكرار مقصود لتيمات التّحرر ومحاولة تحديث تجارب مضت.

أعمال جاعوط الأدبية على خلاف بعض مجايليه الآخرين، لم تركز على همّ سياسي مباشر، ولا على طرح إيديولوجي واضح. احتفظ الراحل لنفسه بمساحة الصحافة للمشاركة في سجالات الرّاهن والردّ على منتقديه وفضح توجهاتهم. خلال السبعينيات، عمل أولاً في صحيفة «المجاهد» الحكومية لينتقل لاحقاً إلى أسبوعية (Algérie-Actualité) من 1980 إلى 1992، ثم أسّس صحيفته الأسبوعية (Ruptures) التي لم يكتب لها أن تستمر طويلاً (فيفري حتى أوت 1993). بعد اغتياله صبيحة 26 ماي برصاصاتين في الرأس في ضاحية باينام في الجزائر العاصمة، اضطر بعض رفاقه إلى مغادرة البلد، خوفاً على أرواحهم، وتمت تصفية الصحيفة نفسها بسبب تراكم ديونها للمطبعة. بذلك، افتتح جاعوط قائمة طويلة من أسماء صحافيين وكتاب ومبدعين جزائريين اغتالتهم الجماعات الاسلامية في سنوات التسعينيات، على غرار يوسف سبتي، وبختي بن عودة، وعمر أورتيلان، وعبد القادر علولة، وإسماعيل يفصح…

كانت عمليات استهداف الكتّاب تحصل بنحو منظّم ومخطّط له سلفاً، وليس عبثاً. اغتيال جاعوط لم يكن إلا رداً على مواقفه الملتزمة بالخيار الديمقراطي، ورفضه للمنطق الديني الأصولي، ومعارضته الشديدة للتنظيمات الاسلامية، «قتلناه لأنه كان شيوعياً ويحمل أفكاراً تهدّد المجتمع»، أقرّ أحد المتهمين في القضية. لكنّ الأصولية لم تحاول وحدها النيل من العقل والإبداع، بل ساندتها ــ ولو بنحو غير مباشر ــ مواقف وآراء بعض المثقفين والكتّاب، خصوصاً المعرّبين، على رأسهم الطاهر وطار (1936ــ2010)، الذي صرّح بعد اغتيال صاحب «عصفور معدني»: «طاهر جاعوط مثل الكثير من الكتاب باللغة الفرنسية يشبه دليل السياح، يدلّهم على العجائب والغرائب في المجتمع الذي يكتب عنه. ويكتب للفرنسيين أكثر مما يكتب للجزائريين»، معتبراً اغتيال الشاعر نفسه «خسارة لفرنسا، وليس للجزائر». موقف صدر عن صاحب «اللاز»، في لحظة سوء فهم بين الطرفين، ورغبة في تصفية حسابات شخصية آنية. ظلّ وطار يردّد الكلمات نفسها تجاه زميله ورفيقه في الكتابة، مثيراً حوله عداوات حتى آخر أيامه. وهو موقف تبنّته شريحة واسعة من المثقفين المعرّبين في الجزائر، وذهب بعضهم بعيداً في وصف الكتّاب الفرنكوفونيين في البلد بـ«بقايا الاستعمار».

آراء برّرت ضمنياً أفعال الاصولية، وغضت الطرف عن حقيقة جاعوط الذي كان مزدوج اللغة ويقرأ ويكتب مثلهم بالعربية، هو الذي صرّح في حوار معه: «ولدت أمازيغياً. كبرت في منطقة معربة، أتكلم وأكتب بالعربية الفصحى التي تعلمتها في المدرسة، وبالفرنسية أيضاً». يومها، علّل سبب اختيار الفرنسية كلغة كتابة أدبية: «السبب هو تجرّدها من المقدس. هناك أشياء عنيفة أقولها بالفرنسية ولا أستطيع قولها بالعربية أو الأمازيغية. في لاوعيي، ما زالت هاتان اللغتان متصلتين بعدد من التابوهات». لكن ما حرّك ربما حساسية البعض تجاه أعمال جاعوط هو نجاحها في الدرجة الأولى والحفاوة التي لقيتها في الأوساط النقدية والاعلامية الفرنسية. روايته الأهم «العسس» صدرت في مرحلة توارت فيها أهم الأسماء المغاربية في فرنسا (خصوصاً بعد حصول طاهر بنجلون على «غونكور 1987» عن رواية «ليلة القدر»). حينها، كان محمد خير الدين قد توقف نسبياً عن النشر، ورشيد بوجدرة تخلّى عن أساليب الكتابة الحلزونية التي ميّزته وصنعت مجده سنوات السبعينيات والثمانينيات، والجيل الجديد من الروائيين لم يكن يحمل طموحات جيل ما بعد الاستقلال، ولا ديناميكيته وروحه الجدلية على غرار رشيد ميموني الذي كان يميل إلى الكتابة المباشرة، مع مزاوجة بين النقد والأدب.

وحده جاعوط صنع فارقاً في أسلوب كتابته، وظل وفياً للشعرية التي بدأ بها تجربته. تحدث عن نفسه قائلاً: «بالنسبة إليّ، الكتابة تمرين عنيف. عنف ممتع نوعاً ما. لحظة الكتابة تشبه لحظة الخضوع لعملية جراحية تنهش جسمي دونما ألم. في كل مرة أتم فيها الكتابة أشعر بإرهاق. بعد أن أنتهي من كتابة رواية ما، أفقد أحياناً ما لا يقلّ عن عشرة كيلوغرامات من وزني».
اغتيال طاهر جاعوط شكّل عتبة الدّخول إلى مرحلة العنف اللفظي والجسدي الذي مورس ويمارس ضدّ الفكر النقدي في الجزائر، مع تكفيره وأبلسته. الجماعات الاسلامية لم تغفر لصاحب عبارة: «إذا تكلمت سوف تموت، وإذا صمتّ سوف تموت. إذاً تكلّم ومت» تحرّره من السّلطة السياسية من جهة، ومعارضيها الاصطناعيين من جهة أخرى، ودفاعه عن استقلاليته وصراخه العالي في وجه الظلامية الدينية.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.