السبت، 24 أغسطس 2019

بارومتر الحريّة

واحدة من مظاهرات حركة فيمن
واحدة من مظاهرات حركة فيمن

«فيمن» هي لغة رفض صريحة، تؤمن بحق المرأة المطلق في تحديد خياراتها الراهنة. هي حركة احتجاجية نشأت قبل خمس سنوات في العاصمة الأوكرانية كييف، واستطاعت، في وقت قياسي، أن تستقطب اهتماماً إعلامياً، وتكسب تعاطفاً دولياً، وتؤسس، في البداية، فروعاً لها في بعض دول الاتحاد السوفياتي سابقاً، مثل روسيا وبيلاروسيا، ثم فرنسا والبرازيل وغيرها من الدول الأخرى، وتثير حفيظة الكا.جي.بي وقلق القضاء الأوكراني، الذي هدد، في وقت سابق، بإدانة ثماني ناشطات من أعضاء الحركة بخمس سنوات سجناً، بتهمة «المساس بالنظام العام».
منطلقات الحركة نفسها، القائمة أساساً على التظاهر بصدور عارية، توشم عليها كلمات وعبارات مناهضة للبطريركية المطلقة، ومختلف أساليب القهر والاستبداد السياسي، تعبر عنها مؤسستها ﺁنا هيوستول، على هامش زيارة لها إلى باريس، بالقول: «الوضع السياسي الذي تعيشه أوكرانيا هو الذي دفعنا إلى تأسيس الحركة، والرد بشكل راديكالي نوعاً ما على تجاوزات النظام، مع أهمية الحفاظ على الجانب السلمي في تظاهراتنا». هيوستول (31 سنة) تتبنى قناعة تفيد أن الأنظمة المستبدة تستشعر حرجاً كبيراً من منظر نساء غاضبات، يتظاهرن عاريات الصدر، ويرفعن صوتهن عالياً – بلا خجل، وتضيف: «ردة فعل الشرطة أمام امرأة عارية هي مقياس الديموقراطية في أي بلد». في أوكرانيا مثلاً، كما في روسيا، تظاهرات  نسوة «فيمن» غالباً ما تنتهي بتدخل الشرطة واعتقال الناشطات، واحتجازهن أحياناً أكثر من 24 ساعة.
رغم ما تتعرض له الحركة، منذ حوالي ثلاث سنوات، من ضغط اجتماعي، وقمع سياسي غير مسبوق في بلدها الأم، فإنها لم تتخل عن مبادئها، وتظل مصرة على مواصلة «تمردها». ﺁنا هيوستول، التي عرفت الاعتقالات البوليسية، أكثر من عشر مرات، تبدو، أحياناً، راديكالية في ردود فعلها، وفي الشعارات التي تحملها أثناء المظاهرات، بسبب – ربما – البيئة الاجتماعية الصعبة التي ولدت وعاشت فيها «في ريف ﺃوكراني، حيث المرأة تعمل ضعف الرجل، وتشق لكسب لقمة العيش، والحفاظ على كرامتها».
«فيمن» التي تأسست بمبادرة من طالبات جامعة كييف، لم تكن، في بداياتها، تعتمد على صدم الرأي العام، بخروج الناشطات إلى الشارع عاريات الصدر، «فقد تظاهرن قبل سنتين كاملتين بملابس عادية، ضد الدعارة والسياحة الجنسية في أوكرانيا» تضيف ﺁنا، لكن بقاء الوضع على حاله في البلد، دفعهن إلى تبني فكرة متطرفة نسبياً والتظاهر عاريات الصدر، بغية إثارة انتباه المجتمع ولفت أنظار الساسة لمطالبهن. «لما اتخذنا قرار التّعري لم نكن نعلم أننا نقوم بفعل غير مسبوق. لم نكن نحمل وقتها لا أفكاراً ولا قناعات أيديولوجيا متطورة. «فيمن» هي حركة احتجاجية، وهدفنا كان وما يزال الدفاع عن حقوق المرأة وتبليغ رسالتنا، على أوسع نطاق، فقط». وتصر المتحدثة نفسها، التي درست السوسيولوجيا وعملت في المسرح، على أهمية عدم النظر إليها وإلى رفيقاتها في الحركة باعتبارهن «قليلات حياء» بسبب جرأتهن، فحركة «فيمن» ليست تهدف سوى «لتخليص المرأة إجمالاً من النظرة الدونية التي يواجهها بها المجتمع، والذي يحصرها أحياناً في ممارسات، وفي قيم تتنافى مع حقها في العيش الكريم».

نسوية الشارع

ليس من السّهل مواجهة المجتمع الأوكراني الأرثوذكسي المحافظ ولا الوقوف أمام قمع الحريات الفردية في روسيا اليوم، لكن «فيمن» وحدها رفضت التواطؤ مع التعسف، ومنحت صوتها لآلاف المستضعفات، وراحت تدافع، ليس فقط عن القضايا النسوية المحلية، بل أيضاً القضايا الدولية. هكذا دافعت الحركة عن قضية الإيرانية سكينة اشتياني، التي حكم عليها بالإعدام بتهمة الزنا، وتضامنت مع صحافيي جورجيا، بسبب التضييق الممارس عليهم، ونددت بفضيحة «دومينيك ستروس كان» الأخلاقية، وتضامنت مع مغنيات فرقة «PUSSY RIOT» الروسية.

مع بداية الربيع العربي، لم تتخلف «فيمن» عن مواكبة الراه وشاركت المرأة في تونس، مصر، السعودية وغيرها من الدول العربية الأخرى تحولها التاريخي. حيث أعلنت الحركة، نهاية 2011، تعاطفها مع المدونة المصرية علياء ماجدة المهدي، التي نشرت، على مدونتها «مذكرات ثائرة»، صوراً لها عارية، مما أثار زوبعة من ردود الفعل الغاضبة تجاهها، ثم ساندت المدونة نفسها، نهاية 2012 في «وقفتها العارية»، إحتجاجاً على دستور مصر الجديد وتبنت أيضاً قضية الفتاة التونسية، التي تعرضت للاغتصاب من طرف عون أمن في تونس، كما طالبت الحركة ذاتها، في مظاهرة، شاركت فيها ناشطات عربيات، بالقرب من برج إيفل بباريس، بمساواة المرأة العربية بنظيرها الرجل في الحقوق والواجبات المدنية.

غالبية مطالب «فيمن» لا تختلف عما جاء في بيانات حركات نسوية سابقة، لكن الفرق بينها وبين الحركات الكلاسيكية «يكمن في أن فيمن تحاول بث روح جديدة في الحركة النسوية العالمية، ونقلها من التنظير إلى العمل الاحتجاجي الميداني» تقول إينا شافشينكو، واحدة من مؤسسات الحركة. والمستهدف الأهم في نشاطاتها هي البطريركية. ليس البطريركية بمفهومها الضيق، بمعنى هيمنة الرجل على المرأة، بل البطريركية بمفهومها الشامل، كما تعبر عنه آنا هيوستول:«البطريركية المتجلية في الأزمة الاقتصادية العالمية، الواقع السياسي والثقافي والاجتماعي، الديكتاتورية، استغلال جسد المرأة، وغيرها« .
ما تقوم به الحركة غيّر كثيراً من نظرة الدارسين للحركة النسوية. ناشطات «فيمن» (يتجاوز عددهن الخمسين في أوكرانيا، والمئة ألف حول العالم) لسن نساء معاديات للرجال – على العكس تماماً -، ولسن بنات مسترجلات، كما تعود البعض أن يرى النسويات، بل هن مجموعة من النساء، تتراوح أعمارهن بين 23 و30 سنة، جميلات المظهر في الغالب، حولن معنى «المرأة العارية» من عاهرة إلى امرأة غاضبة.
مؤسسات «فيمن» يعرفن جيداً حساسية المنطقة العربية، ويدركن بأن المرأة ليست تمتلك الجرأة الكافية، للخروج عارية في تظاهرة احتجاجية. المجتمع والقوانين الجنائية كلها تقف ضد هذه الفكرة. مع ذلك، فإن آنا هيوستول تشير إلى تفاؤلها بإمكانية أن تكسر المرأة العربية جانباً من الحواجز الاجتماعية المفروضة عنها، وأن تساير نظيراتها الأوكرانيات في تحدي كل ما من شأنه أن يقف أمام حريتها الشخصية وحقّها في التعبير.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

دعه يكتب، دع الأثر يدلّنا عليه

بدءًا كانت الفكرة ثم التطبيق وننتظر معًا الأثر. عندما قمنا بالإعلان عن تنفيذ الفكرة تطرقنا …

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.